بيروت | Clouds 28.7 c

فلسفة إخوان الصفا ونزغتهم المتطرفة/ بقلم عبد الهادي محيسن

 

فلسفة إخوان الصفا ونزغتهم المتطرفة/ بقلم عبد الهادي محيسن 

الشراع 26 حزيران 2022

تعتبر طائفة إخوان الصفا الأكثر شهرة في فلاسفة العصر العباسي الثاني ، وكانت هذه الطائفة ذات نزعة متطرفة حتى قيل أنها إسماعيلية ويرى بعضهم أن إخوان الصفا جماعة من علماء القرامطة الإسماعيلية وأنهم اتخذوا البصرة مركزا لنشاطهم العلمي وكان لهم فرع في بغداد .

وكانت هذه المجموعة كما يقول براون المستشرق المعروف ، موضع عطف بني بويه الذين اشتهروا بأفكارهم الحرة ، وحلوا محل العنصر التركي ردحا من الزمن في السيطرة الفعلية على تقادير الخلافة العباسية ، وأصبح لهم نفوذهم الفعلي في بغداد حوالي منتصف القرن الرابع الهجري (334-945 ) . 

لقد استطاعت هذه الطائفة أن تتم ما بدأه المعتزلة وخاصة فيما يتعلق بالتوفيق بين العلم والدين والانسجام بين الشريعة الإسلامية والفلسفة اليونانية ، وتوحيد الثقافة في صورة دائرة المعارف فكان إخوان الصفا جماعة سرية تتألف من طبقات متفاوتة ، وقد أخذوا كثيرا من مباديء الفلسفة الطبيعية متأثرين بالفيثاغورثية الحديثة ، ولجؤوا الى تأويل القرآن تأويلا مجازيا .

تعتبر رسائل إخوان الصفا أشبه بدائرة المعارف أخذت منكل مذهب فلسفي بطرف ، وتدل في الوقت نفسه أن مؤلفيها نالوا حظا موفورا من الرقي العقلي ، وتتألف هذه الرسائل من إحدى وخمسين رسالة تقوم على دعائم من العلم الطبيعي ولها من وراء هذا أغراض سياسية ، تبدأ فلسفة إخوان الصفا بالنظر في الرياضيات وبالتلاعب بالأعداد والحروف ، ثم تنتقل الى المنطق والطبيعيات فترد كل شيء الى النفس وما لها من قوى ، وتنتهي أخيرا الى الاقتراب من معرفة الله على النمط الصوفي .

وصفوة القول في آرائهم أنها تتضمن مذهب جماعة مضطهدة حيث تبدو النزعات السياسية واضحة في جميع أجزاء هذا المذهب ، ونرى من خلاله بعض ما عاناه أصحاب هذه الرسائل من آلام وما قاموا به من كفاح وما استُهدفوا له هم وأسلافهم من ظلم ، ونتبين منه ما كان يختلج في نفوسهم من الأمل وما تواصلوا به من الصبر ، وهم يلتمسون في هذه الفلسفة الروحية سلوى لنفوسهم وتطهيرا لها .

وكانت هذه الفلسفة هي دينهم...

وشعارهم المذكور أن يكون الواحد منهم مخلصا حتى الموت لاعتقادهم أن ملاقاة الموت في سبيل صلاح الإخوان هي الجهاد الصحيح، وكانوا يؤولون الحج الى مكة بأنه (مثل ضربه الله لطواف الإنسان على هذه الأرض )، فأوجبوا على الإنسان أن يساعد أخاه في هذه الحياة بكل ما يستطيع فيجب على صاحب المال أن يجعل للفقير حظا من ماله ، وعلى من أوتي شيء من العلم أن يعلم أخاه الجاهل .

غير أن العلم كما  نراه في رسائل إخوان الصفا قد حبس على خاصة المستنيرين من أفراد الطبقة العليا ، من هذا نرى أن الغرض الذي كان يرمي إليه مؤلفوا هذه الرسائل هو محاولة التوفيق بين العلم والدين ، ولكنهم لم يستطيعوا إرضاء أهل الدين ولا أهل العلم حيث أن المتكلمين والفقهاء السنيين عابوا عليهم طريقتهم في التأويل ، كما أن الفلاسفة والمتأثرين منهم بفلسفة أرسطو بوجه خاص عابوا عليهم مبادئهم الفلسفية .

ومع هذا استطاعت الفلسفة اليونانية أن تستقر في الشرق بفضل هذه الطائفة كما تأثرت بكتاباتهم طوائف الإسماعيلية:

كالدرزية والنزارية في فارس والشام ، كما أفاد آخرون في تأليف موسوعاتهم على غرار رسائل إخوان الصفا ، وقد ذكر الشهرزوري أسماء خمسة من العلماء من مؤلفي هذه الرسائل وهم:

أبو سليمان محمد بن نصر البستي ويسمى أيضا المقدسي ، وأبو الحسن علي بن هارون الزنجاني ، وأبو أحمد النهرجوري (أو المرجاني)  ، والعوفي ، وزيد إبن رفاعة ويظهر أن الثلاثة الأولين من هؤلاء من أصل فارسي كما يتضح من أسمائهم .

وكان بينهم أيضا ابن سينا الطبيب والفيلسوف المشهور الذي انتهت بموته سنة ( 428هجرية ) كما يقول المستشرق ديترايسي الذي نشر رسائل إخوان الصفا وترجمها الى الألمانية بين سنتي 1858- و1886 م ونشرت في ثلاثة أجزاء ، والذي يقول بموت الفيلسوف ابن سنا انتهت حركة الفلسفة في المشرق .

عبد الهادي محيس... كاتب وباحث .