2021-06-07 10:42:23

خاص – "الشراع" / الجمهورية تحتضر والفراغ سيد الموقف

خاص – "الشراع" / الجمهورية تحتضر والفراغ سيد الموقف

خاص – "الشراع" / الجمهورية تحتضر والفراغ سيد الموقف

مجلة الشراع 7 حزيران 2021

 

اسألوا ماكرون.

هذا ما يقوله سفير لبناني سابق في دولة غربية، وهو يعبر عن سخطه ازاء ما تقوم به الطبقة السياسية من دون استثناء في مواجهة الانهيار الكبير الذي وصلنا اليه من دون ان تبادر الاطراف المعنية الى التنازل عما تعتبره حقاً لها من اجل تشكيل حكومة .

واكثر ما استفز الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون عندما اطلق مبادرته الانقاذية هو حجم الهدر الهائل الذي اصاب لبنان وبلغت قيمته حسب الارقام الفرنسية المستندة الى وثائق وأدلة دامغة الى اكثر من ثلاثمائة مليار دولار في بلد صغير ، وذلك خلافاً لما يردده بعض السياسيين عن ان حدود الهدر والدين العام لم تتجاوز المائة والخمسين مليار دولار.

السفير نفسه وهو مخضرم وله تجربة وباع طويل في المجال الدبلوماسي فضلاً عن صداقات جمعته مع مسؤولين كبار وبينهم رؤساء ، يتابع في كلامه الداعي لسؤال ماكرون ان الاخير ما يزال لا يصدق كذب السياسيين اللبنانيين الذين وعدوه خلال زيارتيه الى لبنان بعد انفجار الرابع من اب – اغسطس الماضي بالالتزام بسلسلة بنود تضمنها برنامجه لاخراج لبنان من قعر الازمات ، وتفننوا كما يضيف السفير نفسه في محاولة الاحتيال من اجل الالتفاف على ما التزموا به وكانت النتيجة انهم أخلوا بكل الوعود ، وجلّ ما فعله كل فريق منهم هو رمي المسؤولية على الآخر بالعرقلة والتعطيل. وهو امر اي مسألة العرقلة والتعطيل تشمل الكل ولم يعد ينفع منها محاولة غسل اليدين من دم الضحية من خلال تصويره على ايدي الاخرين .

فقد صارت الطبقة السياسية في لبنان على اختلاف قواها واطرافها مكشوفة لا بل مفضوحة ، وقد بات بلد الارز حديث الصالونات الرسمية والدبلوماسية في العالم برمته بالنسبة لفساد حكامه ومسؤوليه وحتى بعض ابناء شعبه الذين لا شك انهم تأثروا بشيوع مناخات الفساد والارتكابات والفضائح والرشاوى والتهريب والعمولات  وما الى ذلك من جرائم يعاقب عليها اي قانون في العالم حتى ولو كان ذلك في دول متخلفة او من دول العالم الثالث.

وبعد عدة جولات قام بها موفدون عرب واجانب،

 صار للاحاديث المشار اليها حكايات تروى على لسان هذا السياسي اللبناني او ذلك، عن الارتكابات والفساد وغياب اي محاسبة فعلية وجادة يمكن ان توصل الى النتائج المتوخاة.

الاحاديث لا تنتهي كما يضيف السفير نفسه ،وقسم كبير منها يشبه ما يدور من احاديث في الاوساط الشعبية في لبنان لاسيما منها تلك التي تتناول تفاصيل تعاطي الزعامات السائدة او القسم الاكبر منها من اجل جمع ثروات طائلة لها ولعائلاتها والمحسوبين عليها فضلاً عن الاتباع وكل من يضمن بقاء سيطرتها وهيمنتها وبقاء سطوتها داخل جماعاتها .

اما الاهم ،فان ما يقال عن خلافات بين هذه الزعامات وان كان معززاً ومدعماً في اكثر من ملف وقضية ومسألة ، كونه يكاد يشمل كل شيء في طريقة تعاطيها وادائها وادارتها لاوضاع البلاد وشؤونها ، سرعان ما يضمحل ويتلاشى ، في حال تعرضت هذه الزعامات او احست بخطر ما يتهددها سواء بشكل جزئي او كلي والامثلة على ذلك كثيرة ، واخر ما سجل على هذا الصعيد هو ما حصل بعد الانتفاضة الوطنية ضد الحرامية في 17 تشرين الاول – اكتوبر في العام الماضي .

ويمكن الجزم اليوم ،بان هذه الطبقة لم تعدم وسيلة الا واستخدمتها من اجل تجويف الانتفاضة وضربها، وكان لها ما ارادت الى حد بعيد.

والسؤال المطروح اليوم كيف يمكن للبنانيين الذين نزلوا الى الشوارع رفضاً لزيادة تعرفة "الواتس اب" سنتات قليلة فقط، ولا يتحركون اليوم وقد تجاوز الدولار الاميركي في اسواق بيروت ال13 الف ليرة وبدأ يقترب من ال15 الفاً مع كل ما يترتب على ذلك من تراجع القوة الشرائية للرواتب والمخصصات بشكل تجاوز اي منطق وزاد نسبة الفقر بطريقة واسعة  ، ما دفع البنك الدولي الى التحذير من غرق لبنان معتبراً ان ازمته هي الثالثة في فداحتها وسوئها عالمياً منذ القرن التاسع عشر .

الجواب على السؤال المشار اليه هو ان ما قامت الطبقة السياسية به منذ السابع عشر من تشرين الاول – اكتوبر في العام الماضي وحتى اليوم لم يكن سوى معاقبة اللبنانيين على رفع الصوت ضدها خصوصاً عندما رفعوا شعار" كلن يعني كلن"، وتدجينهم من خلال الدفع بهم الى اوضاع مخيفة معيشياً ومالياً وامنياً مع انعدام كامل للامان ، ومن خلال افتعال انقسامات من نوع تثير الحساسيات الفئوية بحيث يتم جعل كل فئة تخشى من الفئات الاخرى في لبنان فلا تجد كل واحدة منهن سوى زعامتها لحمايتها ولتسول لقمة العيش منها اضافة الى محاولة الاطمئنان الى حاضرها ومستقبلها في ظل جهنم التي تحدث عنها رئيس الجمهورية ، واشتغلت معظم الزعامات للسقوط فيها والاشتعال بنارها كما يجري حاليا على شتى الصعد سواء على مستوى الكهرباء او البنزين والماوزت او الدواء او المواد الغذائية الاساسية ... الخ.

وبتعبير اخر فان هذه الطبقة حولت الانفجار الاجتماعي والاقتصادي في وجهها الى انفجار شامل في وجه اللبنانيين كل اللبنانيين  ودفعت بالاوضاع في كل ميدان من الميادين الى ابعد مدى سلبي ،فلم تضرب فقط النظام الاجتماعي والاقتصادي بل والنظام السياسي ايضا من خلال ما يجري حالياً بحيث بات من المستحيل السير بعدة الشغل السابقة او بالمعطيات التي كانت تمكن اي ادارة سياسية في لبنان من الحكم والحفاظ على الحد الادنى من عمل الدولة والمؤسسات ، ففشلت في تشكيل حكومة حتى الان رغم مرور ما يزيد عن ثمانية اشهر على تكليف الرئيس سعد الحريري تشكيلها بسبب الشروط والشروط المضادة التي لا تعبر الا عن محاصصة دفع لبنان ثمنها غالياً حتى الان ولن تقوم له قائمة لا اليوم ولا غدا اذا استمر العمل بها ، وهي محاصصة كان الرئيس الراحل فؤاد شهاب عبر عنها بحديثه عمن سماهم "أكلة الجبنة".

هذه الاجواء وهي خلاصات عملية وواقعية لما حصل حتى الان ، قد يكون للخارج علاقة بها سواء في الدفع باتجاهها او بتعميق الازمة القائمة، الا انها من دون شك لا تنفي الاسباب الداخلية للازمة وهي اسباب جوهرية، لم يعد ينفع معها حتى تشكيل حكومة لن تكون في احسن الاحوال من حكومة حسان دياب "الفضيحة" كما يقول السفير نفسه او حكومة الحريري التي سبقتها وضمت معظم الاطياف السياسية من دون ان تقوم الا بما يعبر عن عجزها والتركيبة الهشة للمنظومة السياسية سواء تلك الموجودة حاليا في الحكم او في المعارضة.

ويشير السفير الى ان عدة تقارير اعدت عن الوضع في لبنان ،بعضها دولي وبعضها الاخر اقليمي وهي تجمع على ان الازمة في لبنان ليست فقط ازمة اخفاقات مستمرة في تشكيل الحكومة بسبب شرط من هنا او شرط من هناك ، كما انها ليست ازمة انتخابات نيابية بدأ المجتمع الدولي يتحدث منذ الان انها لن تحصل مثلها مثل الانتخابات الرئاسية المقبلة ،بل ان الازمة هي ازمة نظام وتركيبة وعقلية ، وهو نظام سقط مع الانتفاضة الوطنية ضد الحرامية التي كشفت عورات النظام  واستحالة استمراره، من دون ان يتم تقديم بديل يؤمن المعالجة المطلوبة سواء من الحراك الشعبي المشار اليه او من قبل اركان السلطة الذين حصروا اعمالهم وجهودهم في الدفاع عن مكاسبهم ومصالحهم ، ما جعل الوضع يصل الى وصل اليه من انهيارات تنذر بانهيارات اكبر واوسع واخطر.

ولان لبنان ليس في اولويات المجتمع الدولي والعربي حالياً، لقديم المساعدة المطلوبة، فانه لن يتم الخروج من الدوامة القائمة الا بعمل استثنائي وكبير سواء كان من نوع اتفاق الطائف الذي كان اوقف الحرب في لبنان، وهو امر متعذر اليوم وغدا كما يظهر في الافق المنظور الا ان لا حل من دون الذهاب الى ما يضمن بناء الجمهورية الثالثة بعد سقوط الجمهورية الثانية سقوطاً مدوياً.

جمهورية ثالثة لا سلطة فيها للزعامات السائدة او للطبقة السياسية الحالية .

جمهورية ثالثة تعيد بناء الدولة والمؤسسات وتبني المواطنة الحقيقية دون ان يكون فيها من يتاجر بالدين او الطائفة او المذهب او المنطقة او الحزب .

جمهورية تعيد بناء السلطة على قواعد ديمقراطية حقيقية.

وجمهورية يحاسب فيها المرتكب او المتسبب بهدر المال العام وتنتفي فيها المحسوبيات مع فصل كامل للسلطات ولاسيما القضائية عن السياسية.

وحتى حلول لحظة ولادة مثل هذا الاتفاق غير المتوافر الان كما يضيف السفير نفسه ، فان الجمهورية الحالية تحتضر، في مقابل الفراغ في  كل المواقع والمؤسسات والميادين ، وهو الفراغ الذي صار جزءاً من سمات عمل زعاماته وطبقته السياسية.

هذه المقاربة السوداوية من قبل السفير المذكور مفرطة في تشاؤمها بالطبع ، الا انه ليست بعيدة عن الواقع في العديد من جوانبها ، فهل تحمل الفترة القريبة المقبلة ما يسقطها ويعيد الامل بواقع جديد ومختلف عن واقع الازمات المستفحلة السائد حالياً.