2021-02-22 12:59:33

ابن طاووس والحاكم الكافرالعادل /  بقلم عبد الهادي محيسن

ابن طاووس والحاكم الكافرالعادل /  بقلم عبد الهادي محيسن

ابن طاووس والحاكم الكافرالعادل /  بقلم عبد الهادي محيسن

مجلة الشراع 22 شباط 2021

 

في سالف العصر والأيام الخوالي من تاريخ العرب والإسلام ، يحدثنا المؤرخون القدامى منهم والمحدثون من كل لون واتجاه ، أن سادة العرب من قريش قبل الإسلام ولم يكن لديهم حكومة ولا على رأسهم سلطان ، هالهم أن رجلا من زبيد من اليمن باع سلعة من العاص بن وائل السهمي ولم يدفع له الثمن ، فتنادوا للاجتماع في دار عبد الله بن جدعان التيمي وتحالفوا هناك على ألا يظلم بمكة غريب أو مقيم ولا حر ولا عبد وأن ينصفوا كل مظلوم من ظالمه مهما كان

ويحدثنا التاريخ ان أبا بكر الصديق لما بويع بالخلافة خطب في الناس قائلا : أيها الناس إني قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن اسأت فقوموني ، الصدق أمانة والكذب خيانة والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله ، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله .

ولما احتضر قال " ما آسى علي شيء أكثر من أنني وددت أني يوم السقيفة قذفت الأمر بعيدا عني ، وأن عمر ابن الخطاب كان يلبس الصوف ويعس في المدينة ليلا ليعرف أحوال الناس وحاجاتهم ، فيحمل على ظهره كيس الدقيق الى المرأة المعوزة في ظاهر المدينة ويحمل جرار الماء على كتفه قائلا لإبنه عبد الله عند سؤاله عن ذلك .. أعجبتني نفسي فأحببت أن أذلها "، ويحرّم على نفسه أكل اللحم والسمن واللبن عندما ضاق الحال بالناس عام الرماد ضاربا على بطنه قري قري ما شئت فليس لك عندي إلا الزيت المحمى حتى يحيا الناس .

ويوقع الحد على إبنه عبد الرحمن الذي شرب الخمر بمصر قائلا له إذ رآه يشرف على الهلاك إذا لقيت رسول الله فأخبره أن أباك يقيم الحدود ، وعندما حج في صحبة إبنه عبد الله وأنفق في ذهابه وإيابه ستتة عشر دينارا قال لولده " لقد أسرفنا في نفقنا في سفرنا هذا " ، وعندما شكا بعض الناس اليه والي الكوفة سعد بن أبي وقاص عزله وعين مكانه عمر بن ياسر ، وكان أول من طبق مبدأ من أين لك هذا في الإسلام .

فقد قاسم بعض ولاته من كبار الصحابة مثل أبي هريرة وسعد بن أبي وقاص وعمرو بن العاص .. الخ الزيادة غير الشرعية التي طرأت على ثرواتهم بعد انتهاء ولايتهم ، ويروي لنا التاريخ قصصا كثيرة عن علي بن أبي طالب منها أنه رفض رفضا حاسما الإبقاء على بعض الولاة المنحرفين حتى يستقر له الأمر قائلا للناصحين لا والله لا أبقيهم ولا ساعة واحدة من نهار وأنه رفض يعطي أخاه عقيلا سؤلته من بيت المال لأن لا حق له في ذلك .

وأنه خاصم أمام شريح القاضي مسيحيا وجد درعه عنده وأنكر عليه الرجل دعواه فسأله شريح : يا أمير المؤمنين هل من بينة ؟ فضحك علي قائلا : مالي بينة وانصرف الى سبيله فبهت الرجل وقال : أما أنا فأشهد أن هذه أحكام أنبياء .. أمير المؤمنين يدينني الى قاضيه يقضي عليه .. الدرع والله درعك يا أمير المؤمنين ... اتبعت الجيش وأنت منطلق الى صفين فخرجت من بعيرك الأورق .

ويقص علينا المؤرخون أنه لما ولي عمر بن عبد العزيز وكان كارها لها ، طلّق حياة العبث والترف بالثلاث وخير زوجته فاطمة بنت عبد الملك بن مروان بين الفرقة والتخلي لبيت المال عن مصاغها وأثوابها الموشاة بالذهب فاختارته قبل المصاغ والأثواب .وعندما فتح السلطان المغولي هلاكو بغداد سنة 658 هجرية جمع العلماء ذات يوم وسالهم أيهما أفضل السلطان الكافر العادل أم السلطان المسلم الجائر ؟ .

 لم يرد عليه أحد من العلماء ، وكان رضي الدين علي بن طاووس الفقيه حاضرا هذا المجلس فقال الحاكم العادل الكافر أفضل من الحاكم الجائر المسلم ، وذلك لأن الحاكم الجائر المسلم إسلامه لنفسه وظلمه للناس ، والحاكم العادل الكافر كفره لنفسه وعدله للناس .

ويحدثنا التاريخ أن الأئمة الفقهاء كانوا يرفضون الفتيا والقضاء تهيبا ووجلا حتى أن أبي حنيفة النعمان آثر السجن والموت فيه على قبول منصب قاضي القضاة الذي عرضه عليه الخليفة أبو جعفر المنصور ، كما يقص علينا تاريخ الشعوب القديمة الكثير الكثير عن الحكمة والعدالة لدى بعض الملوك والحكام منها أن الملك الفارسي أردشير كان حريصا على معرفة كل ما يدور في مملكته ، حتى ظن أنه كان يأتيه ملك من السماء يخبره بالأمور .

وأن خيتي الوزير الأول لفرعون مصر في الألف الثاني قبل الميلاد كان يستبعد أقاربه من الحكم حتى أنه حكم على بعضهم لمصلحة خصومهم في دعوى كان الحق فيها الى جانب أقاربه وذلك لكي لا يقال أنه حابى أقاربه وقضى لمصلحتهم ، ويشير التاريخ بصورة عامة الى أن الدول كانت تصاب بالضعف والزوال عندما كان يدب الفساد في أخلاق ناسها وقبل ذلك في أخلاق سلطانها وحكامها وموظفيها .

عبد الهادي محيسن .. كاتب وباحث