2020-09-17 09:44:39

المحطة الثانية في جولة هنية: في ضيافة أردوغان (الحلقة 2 من 3) بقلم محمد خليفة

المحطة الثانية في جولة هنية: في ضيافة أردوغان (الحلقة 2 من 3) بقلم محمد خليفة

المحطة الثانية في جولة هنية: في ضيافة أردوغان (الحلقة 2 من 3) بقلم محمد خليفة

علاقة حماس - النظام التركي علاقة انتهازية متبادلة وبلا مضمون 

تركيا طردت العاروري ومنعت حماس من أي نشاط ضد اسرائيل !

رئيسان أميركيان منعا اردوغان من زيارة غزة

الرئيس التركي سلم هنية عدة ملايين نقدا .. أنفقها في مخيمات لبنان !

بقلم : محمد خليفة

مجلة الشراع 17 أيلول 2020

 

 وصل هنية الى استانبول في طائرة قطرية خاصة ، يرافقه وفد ضم نائبه صالح العاروري ، وماهر صلاح رئيس الحركة في الخارج ، وعزت الرشق رئيس مكتب العلاقات العربية والإسلامية ، وجهاد يغور مدير مكتب الحركة في تركيا . وقد التقى الوفد الرئيس التركي ومسؤولين أتراك يوم السبت الماضي 22 أغسطس . وكانت الصفة الرسمية التي أعطيت لاسماعيل هنية في البروتوكول التركي ( ضيف خاص على الرئيس اردوغان ) وقد ظهر اردوغان في صورة مع ضيفه وهو بلا لباس رسمي ولا عقدة عنق ، يبتسم لضيفه الخاص. وهي صفة تتضمن نوعا من الخصوصية وتشير الى رفع الكلفة بينهما ، ولذلك استفزت  الولايات المتحدة التي تصنف هنية والعاروري ( شخصيتين ارهابيتين ) . واحتج مسؤول  كبير في الخارجية الأميركية فورا على استقبال الرئيس التركي ( إرهابيين عالميين ) ، وقال إن الرئيس أردوغان يخاطر بعزل تركيا . ورد وزير الخارجية التركي قائلا ( إن الولايات المتحدة تتجاوز حدودها ) ! 

وتجدر الاشارة الى أن اللقاء بين الرئيس التركي والقائد الفلسطيني هو الثاني في غضون ستة شهور ، إذ سبق أن التقيا في فبراير الماضي بمفردهما ، في قصر وحيد الدين في استانبول ، لمدة ساعة وربع ، حسب وكالة الأناضول للأنباء .

 واشارت مصادر الأخبار في تركيا الى أن الوفد الحمساوي قابل في زيارته الأخيرة الى تركيا مسؤولين آخرين ، من (حزب العدالة والتنمية) تدل على وجود تنسيق بينهما . وفيما عدا ذلك لم يرشح شيء محدد عن فحوى المحادثات سوى الصور، وكأنها صلب الموضوع ، مما جعل المحللين يتساءلون عن أهداف الزيارتين واللقاءين خلال مدة قصيرة على مستوى الرئاسة ؟! .

 دبلوماسي اسرائيلي رفيع في السفارة الاسرائيلية في أنقرا يدعى روعي غلعاد  كشف لوكالة رويترز ( أن تركيا منحت جنسيتها ل (12) قياديا في حماس ، ومنحتهم جوازات سفر لتسهل تنقلاتهم ، واضاف ( إن هناك عددا آخر من قادة خماس سيحصلون على الجنسية قريبا ) . ووصف الديبلوماسي تلك الخطوة بأنها ( غير ودية للغاية )، وتعهد بإثارتها مع المسؤولين الاتراك .

ولكن السؤال الذي طرحته مؤسسات بحثية مرموقة واعلامية كثيرة خلال الفترة التي فصلت بين اللقاءين ، على رأسها محطة بي بي سي الانجليزية ، ومؤسسة راند للأبحاث ، ومجلة فورين بوليسي ، وجويش برس الاميركيتين هو :

 هل تشكل هذه اللقاءات توجها تركيا جديدا ، معاديا لاسرائيل والولايات المتحدة ؟ 

وقد تقاطعت اجابات المحللين في أن تطور العلاقات بين كل من القيادة التركية الحالية ، وحركة حماس بشكل خاص ، والفلسطينية بشكل عام ، لا يعكس تغيرا نوعيا في السياسة التركية تجاه القضية الفلسطينية ، وتجاه المصالح القديمة مع اسرائيل بدليل حجم العلاقات الاقتصادية بين تركيا والدولة اليهودية ، إذ تحتل هذه المرتبة التاسعة في أسواق تركيا الخارجية ، بعد الأسواق الاوروبية مباشرة ، وقبل أي دولة شرقية أو افريقية . وما زالت علاقات التعاون الامني والعسكري كما كانت قبل وصول حزب العدالة والتنمية الى الحكم قبل عشرين عاما .

 وعلى صعيد العلاقات بين تركيا الأردوغانية وحركة حماس لم يلاحظ الباحثون والمحللون وجود تطور استراتيجي أو تعاون في مجالات الدعم العسكري والأمني والاقتصادي ، بدليل إن صالح العاروري نائب هنية حاليا والذي استقبله أردوغان ضمن الوفد وصافحه هو نفسه الذي طردته السلطات التركية في ديسمبر 2015 بطريقة مهينة الى لبنان ، استجابة لطلب من السلطات الاسرائيلية التي تتهمه بالارهابوبتنظيم خلايا سرية لحماس في الضفة الغربية للقيام بعمليات مسلحة . ويومها تساءلت ( ساينس مونيتور) عما اذا كان أردوغان سيغلق مكتب حماس نهائيا في تركيا قريبا !.

وقالت محظة اسرائيلية تلفزيونية ( إي 24 ) إن اردوغان وافق على طلب الابعاد خوفا من اتهامه بإيواء وحماية ( ارهابيين ) في بلاده . وذكرت المحطة أيضا أن اسرائيل اشترطت على تركيا طرد العاروري بالاسم ، وحظر أي نشاط لحماس في تركيا أثناء المفاوضات التي سعت لتطبيع العلاقات بعد أزمة سفينة مرمرة عام 2010 . وقالت أيضا إن تركيا وافقت على عدم الاشارة مطلقا في الاتفاق الى غزة . وكشف المحلل العسكري لصحيفة هأرتس عاموس هرئيل عن مصادر استخبارية أن السلطات التركية طلبت من قيادة حماس تقليص حركتها ونشاطها في تركيا ..   

وركز معهد دراسات شؤون الشرق الأوسط في تقرير له إلى ذلك ، خصوصاً  بعد التطورات الجيوسياسية في الشرق الاوسط والعالم . والأهم من هذا أن تركيا تحتاج إلى تعاونها الامني مع اسرائيل ، و( لا تقبل أن تخسره لأي سبب ) .

وحسب معهد دراسات شؤون الشرق الاوسط  فإن مصدرا مسؤولا في حماس كشف مؤخرا أن تركيا منعت قادة حركة حماس المتواجدين لديها من القيام بأي مظاهرة أو فعالية بصورة علنية ضد ضم اسرائيل لأراضي الضفة الغربية أو ضد صفقة القرن الأميركية وضد الدول العربية التي تبادلت الاعتراف مع اسرائيل مؤخرا . الأمر الذي دفع بعض قيادات حماس إلى انتقاد سياسات تركيا التي تظهر التعاون مع حركة حماس ، بينما هي في حقيقة الأمر تضيق الخناق على عناصرها المتواجدين على أراضيها ، خوفا من حصول أي أزمات ، أو مشاكل . كما ذكرت صحيفة تلغراف البريطانية أن حماس خططت لعملية ضد اسرائيل من الاراضي التركية ، فرفضت السلطات التركية الموافقة عليها ، وفرضت اجراءات مشددة على تحركات عناصر حماس ونشاطاتهم في اراضيها .

هذه المعلومات توضح أن علاقات انقرا بحماس محدودة ومظهرية فقط ، تحركها أسباب اعلامية، علق عليها الباحث الاميركي - التركي فريد فلايتز رئيس مركز السياسات الامنية ، والمحلل السابق في الاستخبارات الاميركية ، بقوله في برنامج على قناة الحرة ( إن اردوغان استقبل هنية وطور علاقاته بحماس المصنفة ارهابية ردا على علاقات الولايات المتحدة بالأحزاب الكردية في سورية التي تتهمها السلطات التركية بالارهاب ) أي مجرد ورقة مساومة مؤقتة بين حماس وحزب بي يي دي الكردي السوري ! ، ويكن أن يضحي بها مقابل تخلي اميركا عن علاقاتها بالأحزاب الكردية في سورية .

وذهبت صحيفة جويش برس الى شيء أخطر مما سبق ، فكشفت مؤخرا أن التعاون الأمني بين تركيا واسرائيل مستمر وروتيني ، يشمل تبادل الجانبين للمعلومات الأمنية الحساسة عن كل دول المنطقة ، من فلسطين الى سورية والعراق ولبنان وغيرها. وقالت (إن تركيا تثبت دائما حرصها على استمرار هذه القناة الاستخبارية ، ولا تريد خسارتها لأي سبب) .

وهذا يشي بأن السلطات التركية تلعب دورا مزدوجا ، ولكنها تعطي الأولوية لعلاقاتها مع اسرائيل ، وهي علاقة ذات خصوصية عميقة ، لا يجرؤ "السلطان العثماني" على المس بها . وهو ما أشار له وزير خارجيته السابق داوود اوغلو الذي كشف في خطاب علني اخيرا أن اردوغان لما هاجم اسرائيل في منتدى دافوس عام 2008 بحضور الرئيس الاسرائيلي شيمون بيريز ثم انسحب من الندوة غاضبا ، أمام الاعلام ، ما لبث أن طلب منه أن يذهب فورا الى بيريز ، ويلطف الجو معه ، وإذا احتاج الأمر أن يعتذر له باسمه فليعتذر !

الخلاصة أن علاقات تركيا بحماس محدودة ، ويمكن وصفها بالانتهازية من الجانبين ، ولم يدعم اردوغان حماس بطلقة رصاص واحدة طوال السنوات السابقة ، واقتصرت على تقديم عدة ملايين من الدولارات سلمها نقدا وباليد لضيفه هنية في لقائهما الأخير ، حسب صحيفة ( اسرائيل اليوم ) .

  بالنسبة لأردوغان تعزز علاقته بحركة حماس سياسته الرامية لتزعم التيارات الاسلامية ، وتلبي ضرورة اصطفافه الاقليمي ، مع بقية دول المحور، قطر وايران والاخوان ، بحجة الممانعة والمقاومة ، وهو لا يخسر شيئا بهذه السياسة ، بل يستفيد اقتصاديا وماليا من أموال قطر والاخوان ومشاريعهم في تركيا . فضلا عن أن تحالفه الاستراتيجي مع ايران يعود عليه بالأرباح الوفيرة ، مما يحفزه للقيام بمثل هذه الاستقبالات غير الضارة لهنية ومشعل وعاروري ليوحي لجماهيره في الداخل ولحلفائه الاقليميين ، وخصوصا للاخوان أنه مدافع شجاع عن قضايا المسلمين الأكثر أهمية بدون حساب لرد فعل الأميركيين .

 كان أردوغان وهو رئيس حكومة استقبل نظيره الاسرائيلي ارئيل شارون في أنقرا ، ثم قام هو بزيارة رسمية لاسرائيل عام 2005 اتسمت بالحفاوة والحرارة من الجانبين ، لأنها أول زيارة لرئيس تركي الى الدولة اليهودية ، منذ تم تبادل العلاقات الدبلوماسية الكاملة عام 1949، وتضمن برنامجها زيارة المحرقة ، وحائط المبكى تعبيرا عن مشاعره الودية، نحو ماساة اليهود . ومنذ ذلك الوقت كرر أردوغان الاعلان عن عزمه على زيارة غزة وكررت حماس الترحيب به ، إلا أن وزير الخارجية الاميركي السابق جون كيري زار انقرا في عام 2013 ، وقال في مؤتمر صحافي بعد مقابلته لأردوغان ( لقد أبلغت الرئيس أردوغان أن الولايات المتحدة تعارض زيارته لغزة ) . وبعدها لم يعد السلطان للحديث عنها حتى انتهت ولاية اوباما ، وجاء ترامب ، فعاد للحديث عنها بحذر ، لكن ترامب اتصل به ، وطلب منه عدم زيارة غزة ، فامتثل اردوغان ، واستبدلها باستقبالاته المتكررة لقادة حماس في انقرا لتبادل الصور والابتسامات لا أكثر .

الجدير بالذكر أن زعيم الحركة الاسلامية الراحل أربكان اتهم اردوغان ، في خطاب شهير موجود على يوتيوب بالعمالة لاسرائيل . وبصرف النظر عن صحة ما قاله اربكان ، فإن ثمة مسافة بعيدة بين خطاب أردوغان الشعبوي ومواقفه المنبرية الاستعراضية ، وسلوكه العملي ، ومصداقيته السياسية ، كما يشهد داوود أوغلو ، وزعيم المعارضة كما قليجدار ، والمحلل جواد غوك الذي كثيرا ما يسخر من أردوغان علنا بسبب ازدواجيته ، وخصوصا عندما يهاجم الدول العربية على إقامة علاقات مع اسرائيل ، فيما علاقاته باسرائيل يتطور باطراد .

وعليه فالعلاقات التركية – الاسرائيلية بعد عشرين عاما في السلطة لم تتاثر أبدا بوصول حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان الى السلطة ، وما زالت تمتاز بالمتانة ، لأنها مرتبطة بعلاقات تركيا العضوية بالغرب وحلف الناتو والولايات المتحدة ، وأي تهديد لعلاقة تركيا باسرائيل تنعكس على علاقاتها بدول غربية كثيرة ورئيسية .

وبالمقابل يمكن القول إن علاقة حماس بتركيا علاقة مظهرية واعلامية أكثر منها أي شيء آخر ، فالحركة التي عزلت نفسها عن محيطها العربي بحاجة ماسة لدولة كبيرة ومركزية في المنطقة كتركيا ، لمواجهة الضغوط العربية ، وموازنة علاقتها مع ايران .

ولعل أقصى ما يطمح له الجانبان أن تصبح تركيا وسيطا بين حماس واسرائيل بدلا من مصر ، بسبب التوترات المستمرة بينهما ، ولا شك أن هذه الغاية تعد أولوية لأردوغان لإظهار نفسه حليفا حريصا على حركة المقاومة الاسلامية ، ويسجل نقطة تفوق على القاهرة التي يناصبها العداء ويناكفها بسبب أو بدون سبب .

يرجى الضغط هنا لقراءة الحلقة الاولى 1: جولة اسماعيل هنية بين ثلاث دول تكشف :انقسامات حركة حماس .. وتموضعاتها الاقليمية المحطة الأولى: من غزة الى الدوحة بلا رجعة (الحلقة 1 من 3) بقلم محمد خليفة