2020-07-25 23:07:26

75 عاما من " الصراع على سورية "/  بقلم محمد خليفة

75 عاما من " الصراع على سورية "/  بقلم محمد خليفة

75 عاما من " الصراع على سورية "/  بقلم محمد خليفة

مجلة الشراع 26 تموز 2020

 

يتساءل كثير من السوريين بألم : أين العرب مما يجري في سورية ولها حاليا ؟

السائل معذور ، والسؤال مشروع ومنطقي طبعا ، يبرره غياب أي دور لأي دولة عربية . لا الدول التي دعمت الثورة السورية في اعوامها الخمسة الاولى ، كالسعودية والامارات وقطر والكويت وتونس ، والأردن ، ولا الدول التي عارضت عواصف الربيع العربي ، كالنظام المصري أو الجزائري أو السوداني . ولكن أكثرية السوريين لا يعلمون أن دول ( حلف الضرورة ) حظرت على العرب جميعا يمينهم ويسارهم أي تدخل في سورية منذ أن انقلبت موازين القوى العسكرية لصالحهم في أواخر عام 2015 .

وقد لا يعلم كثير من السوريين والعرب أن أكثر ما يجمع أطراف محور آستانا الثلاثة هو عداؤهم القاطع لأي دور عربي في سورية ، واصرارهم أن تبق في أيديهم ، لكي يقرروا مصيرها بأنفسهم ، بما في ذلك حسم هويتها وانتمائها ، ذلك أن أي دور عربي في سورية حتى ولو كان للانظمة المعادية للثورة والقريبة من الأسد ، كمصر والجزائر والسودان ، هو دور يتعارض مع مصالح الدول الثلاثة حاليا ، لأن جميع الدول العربية لا تقبل ولن تقبل العبث والمس بأمن سورية ووحدتها وامنها وهويتها وتموضعها الاستراتيجي ، على الساحتين الاقليمية والدولية . 

كان للعرب دور فاعل ومؤثر في دعم الشعب السوري وبدرجات متفاوتة طوال المرحلة التي سبقت التدخل الروسي في نهاية 2015 . فقد قدموا الدعم السياسي والديبلوماسي والعسكري ، والدعم المادي والانساني ، الأمر الذي عزل النظام السوري على الساحتين العربية والدولية ، ونزع عنه الشرعية ، ووفر الدعم المتعدد الاشكال للثوار والمعارضة ، مكنهم من تحقيق انتصارات كبيرة ميدانية وسياسية ودولية . وكان الدعم العربي يتطور باتجاه التدخل المباشر لحسم الصراع داخل سورية مع الايرانيين الذي كانوا يقاتلون وحيدين مع الأسد في الاعوام الاولى . 

وقد لا يكون معلوما على نطاق واسع أن العامل الحاسم الذي دفع بوتين لإرسال قواته الى سورية في أيلول/ سبتمبر 2015 هو الخطة التي اتفقت عليها الدول العربية ( السعودية ، الإمارات ، قطر ) وتركيا ، لإرسال قواتها للداخل السوري لحسم الصراع ، من الزاوية الغربية لسورية ، في أقصى الحدود التركية – السورية باتجاه الساحل حيث يتموضع اليوم الروس والايرانيون بين اللاذقية وطرطوس .

وللتذكير جاءت الخطة الرباعية تتويجا في ذلك الحين لانتصارات ثوار سورية في ادلب ، بفضل صاروخ (التاو) الذي أذاق الدبابات الروسية كأس الهوان والمنون ، مما جعل فلول الأسد بقيادة العميد سهيل الحسن يولون الأدبار ، وهم يجرون أذيال العار ، حفاة شبه عراة ، وقد خلعوا بزاتهم العسكرية وألقوا أسلحتهم طالبين السلامة في قرى الساحل العلوية ، يتقدمهم " النمر " المزعوم ! .

وللتذكير أيضا فقد كتب حينها الصحافي السعودي المغدور جمال خاشقجي رحمه الله ، وكان ما زال قريبا من دوائر القصر والاستخبارات مقاله الشهير في صحيفة ( الحياة ) مبشرا باقتراب التدخل العسكري في سورية (هذا العام سنصيف في الساحل السوري )! بينما كان وزير الخارجية السعودي عادل الجبير يكرر تصريحا شهيرا ( على بشار أن يغادر سورية سلما أو حربا ) !! والجدير بالذكر أن تحرير الثوار منطقة  "كسب" في ربيع ذلك العام ، كان فصلا من خطة تهيئة الميدان للتدخل العربي – التركي العسكري  في الساحل حيث حاضنة الأسد الشعبية العلوية ، والموقع الاستراتيجي ، بهدف إغلاق الساحل في وجه أي تدخل خارجي .

على إثر هذه التطورات كشفت دوائر اعلامية عديدة أن المرشد الايراني أرسل جنراله قاسم سليماني الى موسكو على عجل في بداية صيف 2015 فالتقى الرئيس بوتين ومساعديه العسكريين وأبلغهم : إذا لم تتدخلوا فورا في سورية ، سيسقط الأسد في غضون أسابيع ) . 

ويروي وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو في الذكرى السنوية الثالثة للغزو الروسي لسورية عام 2018 أن بوتين اتخذ قرار التدخل فورا في أعقاب هذا التحذير . وأضاف في حديث طويل مع وكالة أنباء روسيا العسكرية : ( بعد أن تدخلنا وأرسلنا قواتنا الى الساحل السوري أمرني الرئيس بإرسال رسالتين الى الرياض والدوحة لتهديدهما بالعقاب والقصف إذا واصلتا التدخل في الشؤون السورية ضد نظام الأسد ) .

على إثر ذلك بدأت المعارك في سورية ضد الثوار والمناطق المحررة ، وخاصة حلب عاصمة الشمال السوري بمعدل 4000 غارة شهريا حسب قول الوزير الروسي . وفي العام 2016 بدأت روسيا تغطي على غزوها وجرائمها بالعمل على خلق مسار احتيالي للحل السياسي في آستانا عاصمة كازاخستان ، ولتعطيل مسار جنيف الاممي . وما لبثت أن انضمت تركيا لهذا التحالف الجديد الذي ضم روسيا وايران أيضا فوضع الثوار السوريين بين فكي كماشة فولاذية ونارية على الارض . وكان من أول قرارات الدول الثلاثة في المحور الجديد الاتفاق على حظر أي دور لأي دولة عربية ، إلا من خلال روسيا وحليفتيها وبشروطهم .

واتضح مع الوقت أن حظر الدور العربي قرار حازم لا رجعة عنه ، وجرى ابلاغه مصحوبا بالتهديد لكافة الدول العربية بطرق ديبلوماسية مباشرة . كما اتضح أن هذا الموقف هو أكثر ما يجمع أطراف المحور الثلاثي المتناقضة . فالايرانيون كانوا يعتبرون الدور العربي عدوانا على سورية ومشاركة في مؤامرة اميركية – اسرائيلية على محور المقاومة وهدفه النهائي الجمهورية الايرانية !

وأما الأتراك فقد انقلب موقفهم من العرب رأسا على عقب بعد انقلاب 2016 الفاشل ، بسبب اتهامهم للامارات بدعم جماعة غولن المدبرة للمحاولة الفاشلة ، بينما تتمثل حقيقة الأمر في رضوخهم للاملاءات الروسية بعد قمة 10 اغسطس 2016 بين اردوغان وبوتين بموسكو خوفا من دعم روسيا للأكراد ضدهم . فضلا عن تفاقم خلافات غير مبررة بين القيادة التركية وعدد من الدول العربية ، بعد تورطها في خلافات الدوحة مع الدول الخليجية ، ومصر على خلفية الموقف من الاخوان المسلمين ، واصطفافات اديولوجية على مستوى المنطقة ، وتورط تركيا المتزايد في الشؤون العربية – العربية ، وصلت الى حد الانزلاق في الصراع الليبي – الليبي ، واستعمالها المقاتلين السوريين فيه ، ومقاتلين من النصرة ، وارسال أسلحة متطورة وتعميق حدة القتال الداخلي .

طوال اربع سنوات حرصت الدول الثلاث على استئصال أي دور عربي في سورية حتى للدول الحليفة لروسيا كمصر والجزائر . إلا أن الدول العربية ردت على هذا الموقف برفض أي تطبيع مع نظام الاسد ، رغم التحركات الدؤوبة التي قام بها سيرغي لافروف شخصيا ومحاولاته اليائسة لاعادة الاسد الى الجامعة العربية . ثم صعدت المقاطعة برفضها أي مساهمة في إعادة اعمار سورية بشروط موسكو ، وكانت السعودية على رأس الموقف العربي الرافض لأي تطبيع مع الاسد أو اعادة اعمار سورية طالما لم يلب الاسد وحلفاؤه شرط الحل السياسي أولا ، وطالما بقيت ايران على وجه الخصوص في سورية العربية . وحاولت روسيا ارضاء العرب وخداعهم بدعوة الاردن الى اجتماعات آستانا وسوتشي بصفة مراقب يحضر كمتفرج فقط ولا يتدخل !

ومارست روسيا ضغوطا قوية على بعض العرب لاعادة علاقاتهم مع الاسد ، باءت كلها برفض قاطع من جميع العواصم . وعندما رضخ عمر البشير الذي يقيم علاقات جيدة مع الدول الثلاث وزار دمشق تلبية لرغبة موسكو ثار عليه شعبه وأسقطه فتحولت العملية لعنة تطارد من يقبل الاقتراب من هذا الخط الأحمر .

والحقيقة أن الهدف النهائي غير المعلن للدول الثلاث من الفيتو على دور العرب ، يتلخص في رغبتهم بحسم مصير سورية ومستقبلها من وراء ظهر المجموعة العربية ، ونزع هويتها العربية ، وإضعاف دورها في المستقبل بربطها بالمحورين المعاديين للعرب : الايراني – التركي ، والاوراسي – الصيني .

هذا الصراع لم يبدأ بعد الثورة السورية عام 2011 ، بل بدأ واستمر منذ استقلال سورية عام 1945 عن الاستعمار الفرنسي ، فسورية منذ ذلك الوقت كانت ( مفتاح أو باب الشرق الأوسط ) حسب تسميات صناع القرار والمخططين الاستراتيجيين في الغرب والشرق . وسعت أمريكا لضمها لحلفائها تحت شعار ملء الفراغ ، ودبرت عدة انقلابات ، واستعملت تركيا منذ خمسينيات القرن الماضي للضغط على سورية ، وتهديدها بالغزو مرة بعد أخرى ، كما سعت روسيا السوفياتية لتدبير انقلابات منذ الخمسينيات بواسطة الشيوعيين السوريين أيضا ، لضمها الى دائرة حلفائها في الشرق الاوسط ، واقامة قاعدة لها في البحر المتوسط .

ولكي لا ننسى فقد كتب الكاتب البريطاني الراحل باتريك سيل منذ الخمسينيات كتابه المهم جدا ( الصراع على سورية ) . وقد كان موفقا عندما استعمل العنوان ذاته بشكل ثابت لبقية كتبه التي صدرت طوال نصف قرن ، بما فيها كتابه عن حافظ الأسد .

 نعم إن الصراع على سورية بدأ قبل 75 سنة ، وما زال مستمرا ، ولن يتوقف في الأجل القريب .  ولن يحسمه لا الروس ، ولا الايرانيون ، ولا الترك ، ولا الاسرائيليون ، ولا الاميركيون ، بل سيحسمه السوريون بأنفسهم بدعم أشقائهم العرب ، لأن الجميع يعلم أن الصراع على سورية هو الساحة الرئيسية للصراع على الشرق الأوسط .

ليس هذا كلاما أدبيا ، بل كلام في صميم الواقع ، والتاريخ والجغرافيا !