2020-07-24 13:54:01

الراعي وحياد لبنان/ بقلم السيد صادق الموسوي

الراعي وحياد لبنان/ بقلم السيد صادق الموسوي

الراعي وحياد لبنان/ بقلم السيد صادق الموسوي

مجلة الشراع 24 تموز 2020

في عز الأزمة اللبنانية إقتصادياً والتخبط سياسياً والفساد مالياً والإضطراب نفسياً يتمّ طرح إقتراحات عديدة للخروج من كل هذه المشكلات التي تكاد تقطع حتى نسمة الهواء عن اللبنانيين بعدما تمّ قطع الكهرباء والماء وموارد الرزق عن المواطنين بل ويتمّ الإستيلاء على ودائع الناس في المصارف والتصرف بها، ويستغل المنظّرون وأصحاب مختلف الطروحات في هذه الظروف غرَق الناس في بحر الأزمات ليجعلوهم يتشبثون بكل حشيش أملاً بالنجاة من الموت المحتم، وهذه الحالة قد جربها اللبنانيون في مراحل مختلفة من تاريخهم المعاصر، فمرة طُرحت اللامركزية وتمّ التطبيل لها مدة وقام المنظّرون بتعداد فوائدها على الوطن والمواطنين، ومرة طُرح شعارالتقسيم وسار الداعون إليه في تقسيم البلد بكل مؤسساته السياسية والإقتصادية والمالية والعلمية ولا ننسى شعار " حالات حتماً " الذي ظلت محطة LBC التابعة يومذاك لـ " القوات اللبنانية " تكرره في كل فاصل إعلاني لمدة سنوات، وتمت خطوات في إتجاه تنفيذ بناء مطار خاص لـ " المنطقة الشرقية " بعدما صار مرفأ جونية فيها رديفاً لمرفأ بيروت الرسمي للأسفار البحرية وتبادل البضائع بين لبنان والخارج، وفي مرحلة تمّ طرح التصالح مع الكيان الصهيوني لـ " إنقاذ لبنان "، وراح أصحاب هذا الطرح يشاركون وزير الحرب الصهيوني المجرم أرييل شارون في غرفة العمليات العسكرية للتخطيط المشترك لاجتياح لبنان من أجل التخلص من " الهيمنة الفلسطينية " وكان المبرر لإبرام إتفاق ١٧ أيار هو أيضاً " حياد لبنان " عن محور " الصراع العربي الإسرائيلي ".

إن البطريرك بشارة الراعي الذي يقود اليوم مطلب حياد لبنان ويستغل صفته الكهنوتية للترويج لمشروعه من خلال العظات التي يلقيها في الكنيسة، ويتضامن قيادات وجماعات وأحزاب معه في طرحه، إنه لا يملك خصوصية حيادية في تاريخه الشخصي، ولا نريد هنا النبش في الملفات العتيقة، وعلى مستوى الطائفة التي يترأسها فهو لا يكتسب الشرعية الدينية رغم انتخابه من المطارنة الموارنة إلاّ بعد تثبيته من قبل بابا الفاتيكان، وكلنا نعلم أن الفاتيكان رغم صغر مساحتها دولة لها مؤسساتها ووزراؤها وسفراؤها في دول العالم ومنها لبنان، وللدول إيضاً سفراء لدى الفاتيكان يقدمون أوراق اعتمادهم للبابا كرئيس لهذه الدولة، وإن اشتراط مشروعية بطريرك الموارنة في لبنان والعالم بتصديق رئيس دولة الفاتيكان هو الإرتهان بعينه للخارج، هذا رغم احترامنا لموقع البابا الديني لدى مئات الملايين من المسيحيين الكاثوليك في العالم، ومن جهة أخرى يقيم الصرح البطيركي في بكركي كل سنة مرة قداساً دينياً على نية فرنسا التي نظامها علماني لا يؤمن بالله والدين أصلاً منذ أن قامت الثورة الفرنسية عام 1789-1799، ويرأس البطريرك شخصياً هذا القداس بمشاركة السفير الفرنسي في لبنان، واليوم يقوم وزير الخارجية الفرنسي لودريان بزيارة لبنان ويقوم الذين يعتقدون بأنها " الأم الحنون " بالترحيب به والتزلف إليه والتسابق لنيل الحظوة لديه واللقاء معه ولو لدقائق وأخذ الصور التذكارية مع معاليه ومطالبته بالتدخل في الشأن الداخلي اللبناني، وهم أنفسهم الذين يتهمون أطرافاً في الطائفة الشيعية بالإرتهان لدولة إيران ويرون العلاقة الدينية مع الجمهورية الإسلامية ومراجعها العظام وقائدها منافياً للولاء للبنان .

ثم إن المثل المعروف يقول: " قل لي من ترافق أقول لك من أنت "، ونحن نرى أكثرية المؤيدين لطرح البطريرك الراعي والملتفين حوله والجالسين في الصفوف الأمامية لعظاته هم دعاة تقسيم لبنان والمرتبطون بالكيان الصهيوني جهاراً نهاراً والممولون من أنظمة عربية معينة تهرول نحو التطبيع مع الصهاينة وترسل الطائرات المحملة بالأدوية لمعالجة مرضى المحتلين لأولى القبلتين، وتوفد الوفود للقاء قادتهم وتستقبل في عواصمها المجرمين بحق إخوتها والمنتهكين لأعراضها ونواميسها، واللافت أن هؤلاء العملاء للصهاينة في لبنان لا يزالون يفاخرون بتاريخهم الماضي المشين ويدافعون عن علاقاتهم الحالية المشبوهة ولا يرون في مسلكهم في الماضي والحاضر عيباً ولا نقيصة، فكيف يمكن لمن يملك قليلاً من الذاكرة أن لا ينظر إلى طرح حياد لبنان من قبل من لا يحمل تاريخاً شخصياً مستقلاً ولا يعيش كيانية دينية مستقلة ويلتف حوله أصحاب سوابق إجرامية وعمالة ويمولهم ويستقبلهم في القصور بحفاوة زعماء يعرف العالم كله دورهم في إثارة الفتن في مختلف الدول وتمويل وتدريب التكفيريين وإرسال الإنتحاريين ليفجروا أنفسهم بين الجموع المحتشدة في مناسبات دينية هنا وهناك أو أثناء إقامة صلوات الجمعة والجماعة في مساجد للسنة والشيعة على حد سواء، ولا يرى أحد في العلاقة مع هذه الدول واستلام أموال من مخابراتها عيباً أو منافياً للولاء للوطن، لكن الخيانة للوطن عند هؤلاء هو التعامل مع من يساند لبنان في مقاومته للإحتلال الصهيوني لأرضه، والعلاقة مع دولة تقدم بالمجان المال والسلاح ليكون لبنان قوياً عزيزاً يهاب جانبه ويتجنب مجابهته الكيان الإسرائيلي الذي أراد الأمريكيون ودول الإستكبار جميعاً أن يكون جيشه أقوى من الجيوش العربية مجتمعة، وإذا بجنوده المدججين بأحدث الإسلحة يفرّون أذلاّء أمام ثلة من المجاهدين الذين صدقوا ما وعد الله وسارعوا ليكونوا أحياء عند ربهم يُرزقون، ويلحقهم العملاء الذين راهنوا عقوداً على أنه ' الجيش الذي لا يُقهر " وإذا بهم شاهدوا الرعب والهلع الذين أصابا هذا الجيش وسرعة انهيار صفوفه لما انطلق صوت المجاهد المقاوم بصرخة " الله أكبر "، وكيف يهرب تاركاً وراءه أقرب عملائه وأكثر الناس خدمة وإخلاصاً له غير آبهٍ بمصيره بل ومانعاً له من اللحاق به والنجاة بنفسه. بل ويخاف سطوة هؤلاء الأبطال الأشاوس أيضاً أركان البيت الأبيض أصحاب الأساطيل وحاملات الطائرات العملاقة والقنابل النووية بالمئات والذين باتصال هاتفي مختصر لا يتجاوز الدقائق المعدودة مع أصحاب الجلالة يحصلون دون تردد أو مناقشة على مئات ملايين الدولارات من ثروات شعوبهم، لكن هؤلاء الجبابرة والمستكبرون يرتجفون خوفاً من مواجهة ثلّة صدق في حقهم قول الإمام جعفر الصادق عليه السلام: " من خاف الله خاف منه كل شيء، ومن لم يخَف الله خاف من كل شيء " وعملاء هؤلاء الطغاة والطواغيت الذين بهرتهم حضارة رعاة البقر، وعشقوا مجتمعات الإيدز والشذوذ الجنسي، واستأنسوا بسوء السلوك الأخلاقي، وأُعجبوا بشخصية دونالد ترامب المتاجر بالعاهرات، هؤلاء الجبناء الأذلاّء يصف الله في كتابه العزيز واقعهم بقوله: ( لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون ) صدق الله العلي العظيم.

السيد صادق الموسوي