2020-05-20 11:40:26

لماذا العيد بعد الصوم ؟ / بقلم السيد صادق الموسوي

لماذا العيد بعد الصوم ؟ / بقلم السيد صادق الموسوي

لماذا العيد بعد الصوم ؟ / بقلم السيد صادق الموسوي

مجلة الشراع 20ايار 2020

بعد شهر كامل من الصيام في شهر معين في السنة الهجرية القمرية هو شهر مضان يحتفل المسلمون كل عام بعيد الفطر ويُظهرون في ذلك فرحهم بانتهاء فترة صومهم وكأن تلك الفترة كانت حجزاً لهم وحدّاً لتصرفاتهم وتحركاتهم، لكننا إذا أمعنّا النظر في حقيقة فريضة الصوم ومعنى العيد لوجدنا أن الحقيقة هي غير ذلك.

إن صيام شهر رمضان هو أساساً لصقل نفس الإنسان وتحريره من سلطة أهوائه وتمكينه من السيطرة على غرائزه وشهواته وأيضاً لإذاقة الإنسان المسلم ألم الجوع وصعوبة تحمل العطش بمنعه من تناول الطعام والشراب فترة من اليوم، ومن خلال هذا الشعور يلتفت إلى حال إخوانه في الدين والإنسانية الذين لا يملكون مالاً لتأمين قوتهم وقوة عيالهم؛ وفي حال سقوط فريضة الصيام عن أي شخص بسبب المرض أو السفر وعدم قدرته على قضائها خلال العام فإن كفارتها تتمثل في إطعام مسكين واحد عن كل يوم، وإذا ترك أحد الصيام عامداً من دون عذر مقبول لدى الشرع والأطباء فكفارته عن كل يوم صيام شهرين متتابعين أو عتق رقبة أو إطعام ستين مسكياً، وإذا مات ولم يقدر على أداء الفريضة أو تهاون في قضائها فيجب على ورثته وأرشد أولاده القضاء عنه وفي حال عدم تمكنهم من قضاء الفريضة بأنفسهم يبادرون إلى إنابة غيرهم لأداء الفريضة ولو بدفع مبلغ إزاء ذلك، وهؤلاء في الأغلب هم من أهل الحاجة.

إن علاقة الصيام مع إطعام الفقراء والمساكين تبدو جلية، وفي حالة معينة يتضمن ترك الفريضة عتق رقبة أي تحرير إنسان من قيد العبودية، وفي الحالتين نجد تلازم فريضة الصوم وهي ترك الطعام والشراب من جانب شخص الإنسان  المسلم مع إطعام الفقراء وعتق المقيدين في أغلال العبودية، وأي عمل أفضل من هذا لتدريب أبناء الأمة بصورة عملية على التكاتف الإجتماعي وبذل من يملك قدراً مما يملك لرفع حاجة من لا يملك، ونتيجة للصيام مدة شهر كامل يقع حيناً في فصل الشتاء القارص و حيناً يكون في الصيف الحارّ ويتعلق ببعض المسلمين في المناطق الإستوائية وببعضهم في مناطق يطول النهار فيها لحوالي الـ ٢٢ ساعة، وكل هذا التنوع يجعل الإحساس في حالاتٍ وسنواتٍ فرصة اختبار صعبة للإنسان المؤمن، لكنه يلتزم في كل حال بأداء الفريضة إطاعة لله سبحانه وتعالى وابتغاءً لمرضاته.

وإذا التفتنا إلى روايتين وردتا عن أهل البيت عليهم السلام نبيّن ان حكمة الصيام لوجدنا أن الهدف الأول هو استواء الغني مع الفقير في الجوع والعطش أثناء فترة الصيام، وبالنتيجة تضوّر الغني الجوع والعطش كما الفقير العاجز عن إشباع يطنه، وإن إلزام من أفطر بدواعٍ مختلفة بإطعام الفقراء وحتى تحرير العبيد في بعض الحالات يكرس روحية المجتمع الإنساني ويحد من نفسية الجشع لدى الأثرياء، وفي الرواية الثانية يكون جوع وعطش الصائم سببا لتذكره جوع وعطش يوم القيامة، ذلك اليوم الذي يخرج فيه الناس من قبورهم أشتاتاً كالفراش المبثوث وكأنهم جراد منتشر، والذي تلتفّ فيه الساق بالساق من الزحام، والذي يخاف الأولياء المطهرون مع قربهم من الله وشدة طاعتهم له شرّ ذلك اليوم المستطير، والذي يفرّ فيه كل أنسان من أخيه وأمّه وأبيه وصاحبته وبنيه، وهذا أيضا ينبّه الإنسان بأن يبحث عن أعمال في الحياة الدنيا تساعده على تجاوز أهوال يوم الجزاء وتمكّنه من العبور بسرعة من عملية الحساب العسير بفضل عفو الله عن زلاّته وغفرانه لما ارتكبه من المعاصي طوال عمره وذلك بسبب ترحمه على إخوانه وإطعامه الفقراء والمساكين من عباد الله، وعندئذٍ يكون الصوم بحقٍ جُنّة للصائم من نار جهنم.

ثم إن الإسلام قد حثّ كثيراً على إطعام الصائمين طوال شهر رمضان وجعل حتى في تقديم التمرة الواحدة أو الماء القراح للصائم ساعة حلول وقت الإفطار عملاً فيه الثواب الكثير من الله سبحانه،  كل هذا مع العلم أن " الصوم لي وأنا أجزي به " كما جاء في الحديث القدسي عن الله عزّ وجلّ. ويتوهم الناس في الوهلة الأولى أن لا علاقة بين عمل عبادي خاص بين العبد وربه وبين أمر التعامل مع الإنسان الآخر، علماً بأن جميع الفرائض الإلهية في الشريعة الإسلامية تتداخل فيها نية القربة إلى الله وضرورة الإلتفات للجانب الإنساني؛ فمثلاً إذا أراد مسلم أن يتوضأ للصلاة بماء مغصوب لم يأذن صاحبه للمكلف باستعماله يكون حينئذٍ وضوءه باطلاً وفي هذه الحال لا يمكنه بذلك الوضوء إقامة الصلاة، أو إذا لم يرضَ صاحب المكان الذي يريد المسلم أداء فريضة الصلاة عليه فعند ذلك تكون الأرض مغصوبة وتبطل الصلاة عليها دون شك، علماً بأن الصلاة عمل خاص يتوجه فيه الإنسان فيها إلى ربه ولا يبدو أن لأحد من البشر دخل فيه.

والخلاصة أن الله سبحانه يريد أن يقول لعباده أنه رب العباد جميعاً ودون استثناء، وعلى من يريد أن يتقرب إليه من عباده أن يتعاطف مع عباده الآخرين ويرى نفسه فرداً واحداً من مجموع عباد الله يهتمّ بأمر غيره كما يهتمّ الآخرون بأمره، فإذا جاع عبد بسبب أو بآخر وجب على باقي العباد إطعامه، وإذا عانى أحد من العطش لعلة فعلى الآخرين إرواءه، وإذا عانى أحد من العبودية في مجتمع متخلف فيجب على من يمكنه تحريره وفكّ الأغلال عنه ليعيش حرّاً كما باقي بني البشر.

وفي التاريخ أن الإمام علي بن الحسين زين العابدين كان يشتري العبيد من هنا وهناك بالعشرات مما جناه من عرق جبينه وكدّ يمينه، فإذا كان شهر رمضان جمعهم حوله وقال لهم: التمسوا مني عتق رقابكم، ثم يقول للذين أصبحوا أحراراً أن يدعوا الله له، ثم يقف في وسطهم ويقول مخاطباً ربه؛ اللهم إن هؤلاء عبيد لي التمسوا منى عتقهم، وإني عتقتهم قربة إليك وطلباً لمرضاتك، وأسألك أن تعتق انت أيضاً رقبتي من النار.

وفي الإستفادة من فرصة شهر رمضان لتحرير أعداد من العبيد تقرباً إلى الله من قبل إمام من أهل بيت النبوة دليل على العلاقة بين شهر الصيام ووجوب الصوم فيه وبين الشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين الذين يعانون من الفقر أو هم أسرى العبودية.

ولقد وردت أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وآله وروايات عن أئمة أهل البيت عليهم السلام في فضل الإنفاق في سبيل الله بأشكال مختلفة في شهر رمضان بصورة خاصة لكي يتمّ من خلاله تمحيص النفوس بشكل كامل وتزول الأنانيات وسلطة النفس الأمّارة بالسوء عن الصائمين ويخرجون بعد اكتمال الشهر وقد طردوا شياطينهم وزكّوا قلوبهم وتطهروا من الأرجاس.

أما إذا علم الصائمون بانتهاء شهر رمضان ورأوا هلال شهر شوال مباشرة أو تثبتوا من خلال شهادة عدول يثق بهم فعليهم أيضاً المبادرة لإخراج زكاة الفطرة عن أنفسهم وعيالهم صغيرهم وكبيرهم ومن كان في عيلتهم في آخر يوم من الشهر وتقديم ذلك المال إلى لفقراء والمساكين قبل أن يتوجهوا لأداء صلاة عيد الفطر، وهنا أيضا تتبين أولوية الإهتمام بالفقراء والمساكين قبل التضرع بالصلاة إلى الله الرحمن الرحيم ومالك يوم الدين ليهديهم إلى الصراط المستقيم.

ولقد حثّ الإسلام على تبادل التهاني بين المصلين بحلول العيد بعد أداء الصلاة واستعمال أطيب العبارات لبيان المشاعر لكي يتجسد تقارب القلوب التي صقلها الصيام ويتوطد الوئام بين المؤمنين، ثم يأتي دور تبادل الزيارات بين الأرحام والأقارب واستحباب تبادل الهدايا فيما بينهم وتأثير ذلك في إزالة الشوائب التي يمكن أن تكون قد علقت في النفوس بسبب أو بآخر وإضفاء أجواء المحبة بينهم، وأيضا يحرض الإسلام على زيارة الجيران الذين أوصى بهم رسول الله صلى الله عليه وآله كثيراً حتى ظن المسلمون أنه سيورّثهم وذلك للمزيد من بسط أجواء الصفاء والمدة بين أبناء المجتمع الإسلامي.

وبعد ما عرضنا باختصار عن تأثيرات الصيام على نفس الفرد وما يترتب عليه من أداء جميل تجاه إخوانه أثناء الشهر المبارك لكى ينال القرب من الله ويكسب رضاه سبحانه، وما فرض الله على من ترك الصيام بعلةٍ من إنفاق على ذوي الحاجة من أبناء الأمة بعنوان الكفارة عن ترك أمر عبادي، وما أوجب على من أفطر من دون عذر من الإنفاق بالمال أو شراء عبد يعاني من الرقّ وتحريره قربة إلى الله تعالى تعويضاً عن ترك فريضة عبادية إلهية، كل هذا يتعلق بأمر الصيام، وبفي ما يتعلق بلحظة العلم بانتهاء رمضان والبدء بشهر شوال المكرم من وجوب الإهتمام مرة جديدة بالفقراء من أبناء الأمة وإخراج الزكاة المفروضة للإنفاق عليهم تتويجاً لشهر كامل من التشبه بالمساكين الذين يعانون من الجوع والعطش طوال العام، والإعتناء بأمرهم من خلال المساهمة في دعوتهم لتناول الإفطار في البيوت أو تقديم وجبات الإفطار إليهم في منازلهم، إضافة إلى أصناف أخرى من الإنفاق المندوب في شهر رمضان المبارك، ويعقبه ما أوردنا باختصار أيضاً من السنن التي حثّ الإسلام الجنيف على الإلتزام بها.

إن إطلاق إسم العيد على أول يوم من ترك الصيام ليس بمعنى التفلت من السلوك السوي الذي التزم يه الصائمون طوال شهر والعودة إلى اتّباع الهوى والإنغماس في الشهوات والإنتعاد عن المبادئ السامية الذي تدرّب عليها، بل إن إقامة صلاة العيد مع شروق شمس ذلك اليوم وبأداء مختلف عن الفرائض اليومية المعتادة وبدعاء يتكرر في قنوتات صلاة العيد ورد عن أئمة أهل البيت عليهم السلام يتضمن فقرات منه الدعاء إلى الله:

" أن تُدخلني في كل خير أدخلت فيه محمداً وآل محمد وأن تُخرجني من كل سوء أخرجت منه محمداً وآل محمد صلواتك عليه وعليهم أجمعين "،

يجعل بعد الخروج من حالة الصيام تجديداً للإلتزام بمنهاج محمد وآل محمد وإعلاناً للإستمرار بالسير على ما سنّه خاتم النبيين وما بيّنه أهل بيته المعصومون من بعده.

واللافت أن الإسلام يحرم الصيام في يوم عيد الفطر ليتفرغ المؤمنون لتبادل الزيارات وتناول الطعام والحلويات تكريساً لأجواء المحبة وتثبيتاً لحالة الوئام والألفة وهذا هو الهدف الأساس للشريعة الإسلامية حيث يقول النبي صلى الله عليه وآله:

" إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق ".

وهكذا تتجلّى غاية رب العباد في بسط العدل بين عباده كلهم ويتحقق الهدف الذي من أجله بعث أنبياءه ورُسُله وهو:

 لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط.  صدق الله العلي العظيم.

مع أسمى التبريكات وأجمل التهاني بمناسبة عيد الفطر السعيد

السيد صادق الموسوي