2020-03-24 15:15:04

أمريكا وسليماني وفاخوري وفيروس كورونا / بقلم السيد صادق الموسوي

أمريكا وسليماني وفاخوري وفيروس كورونا / بقلم السيد صادق الموسوي

أمريكا وسليماني وفاخوري وفيروس كورونا / بقلم السيد صادق الموسوي

أمريكا وسليماني وفاخوري وفيروس كورونا

بقلم السيد صادق الموسوي

مجلة الشراع 24 آذار 2020

 

في الساعات الأولى من صباح يوم 03 / 01/ 2020 انتهكت الطائرات الأمريكية سيادة العراق بشكل فاضح جداً واغتالت الفريق قاسم سليماني الذي كان مبعوثاً رسمياً إبرانياً للقاء رئيس وزراء العراق السيد عادل عبد المهدي والذي تم استقباله رسمياً في فاعة الشرف في مطار بغداد الدولي من قبل مبعوث رسمي من جانب رئيس الوزراء العراقي هو نائب قائد الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس، وقد أعلن دونالد ترامب شخصياً مسؤوليته عن ذلك الإغتيال، وصرح إشرافه على كافة مراحل العملية، وتباهى مرات ومرات بالإغتيال أمام مجلسي النواب والكونغرس وفي حملاته الإنتخابية.

وفي يوم ١٩/ ٣ / ٢٠٢٠ انتهكت طائرة عسكرية أمريكية سيادة لبنان ونفلت العميل الصهيوني عامر الفاخوري إلى خارج لبنان وهو الذي أصدر القضاء اللبناني قراراً بمنعه من السفر، وفور التأكد من خروجه وقف  الرئيس ترامب أمام كافة وسائل الإعلام الأمريكية والعالمية وأعلن فخره بنجاح العملية.

إن  الولايات المتحدة التي تطالب العراق باستقلال قراره والمحافظة على سيادته لا تعترف هي بالسيادة العراقية عندما تقوم باغتيال موفد رسمي لدولة قدم العراق بدعوة رسمية من رئيس وزرائه، والإدارة الأمريكية تدعو دائماً الدولة اللبنانية إلى التصرف باستقلال والحفاظ على السيادة لكنها ترسل طائرة عسكرية وتنقل مواطناً متهماً من قبل عدد من المعتقلين في سجن الخيام والذين مارس هذا الشخص مباشرة بحقهم ألوان التعذيب الوحشي أثناء الإحتلال الصهيوني للبنان، وهو دخل عبر مطار بيروت باختياره وبطريقة قانونية ويجب أن يخرج بصورة قانونية أيضاً في حال براءته، وإن عملية نقله بطائرة عسكرية ومن داخل السفارة الأمريكية وخارج الإطار القانوني هو تصرف غير قانوني وفيه انتهاك للسيادة ويتعارض مع الإستقلال.

إن الفريق قاسم سليماني هو الذي قام بدور رئيسي وأساسي في هزيمة التنظيمات التي أعلنتها الولايات المتحدة إرهابية في سوريا والعراق ولبنان وأفغانستان وهذه الحقيقة يقرّ بها ويعترف بها ويؤكدها قادة تلك البلاد ويفصح عنها زعماء المجاميع الإرهابية أيضاً، لكن الرئيس الأمريكي يقوم باغتيال هذا الرجل ويباهي بفعلته، أما عامر الفاخوري الذي مارس الإرهاب بحق اللبنانيين وقام بتعذيب السجناء لأنهم رفضوا احتلال بلدهم، وهذا الدور القذر للعميل مؤكد بالوثائق التي لا يرقى إليها الشك، ولم يحاول الفاخوري نفسه إنكار التهم ولا الاعتذار منها، لكن الرئيس الأمريكي يفاخر بنقل هذا المجرم بطائرة عسكرية إلى الولايات المتحدة ثم يستقبله في البيت الأبيض ويلتقط صورة تذكارية معه، وهنا ينفضح الكذب الأمريكي في كافة شعاراتها حول احترام حقوق الإنسان والدفاع عن القيم الإنسانية والحرص على سيادة الدول، وهذه الحقيقة التي نعرفها نحن مند عقود نضعها اليوم أمام أعين الذين لا يزالون يرون في النموذج الأمريكي " أسوة حسنة " يجب الإقتداء به، والذين لا يزالون يعتقدون بأن للقيم الأخلاقية مكاناً في السياسة الأمريكية، وأن للإنسان قيمة عند أصحاب القرار في أمريكا.

واللافت أن وزير الخارجية الأمريكي بومبيو يرد على قرار مجلس النواب العراقي بوجوب خروج القوات الأجنبية من العراق عقب عملية اغتيال الفريق قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس بالقول: إننا باقون في العراق، وتصول وتجول كل يوم الطائرات والمروحيات العسكرية الأمريكية في سماء العاصمة العراقية متحدية قرار السلطة الشرعية العراقية وغير مبالية باعتراض رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة.

وفي لبنان أيصاً يتمّ نقل العميل الفاخوري من المستشفى الذي كان يرقد فيه بذريعة المرض إلى السفارة الأمريكية في ظلمة الليل فور صدور القرار علماً أن نص قرار المحكمة يربط نفاذ حكم الإخلاء بعدم وجود شكوى أخرى، ولم ينتظروا أيضاً قرار الطعن بالحكم الذي صدر من مفوض الحكومة لذى محكمة التمييز العسكرية فوراً عقب صدور قرار المحكمة العسكرية، ولم يتمّ الاعتناء بقرار القاضي بمنع خروج العميل من الأراضي اللبنانية.

كل هذا والإدارة الأمريكية تقول دوماً بأنها تحرص على سيادة الدول واحترام السلطات الشرعية.

 

وفي الأزمة الإنسانية التي حدثت قبل حوالي الشهرين بفعل فيروس كورونا انكشف وهي كذب المؤسسات الدولية التي تدعي أنها تلتزم بالمعايير الدولية والمبادئ الإنسانية  وأنها لا تخضع للسياسات الضيقة للدول، إذ رأينا بأم أعيننا أن السلوك والأداء لتلك المنظمات المسمّاة دولية يدلّان بوضوح على خضوعها المطلق لتوجهات الإدارة الأمريكية واستسلامها الكامل لإرادة البيت الأبيض، حيث رفضت تلك المؤسسات حتى تسهيل وصول الأجهزة الضرورية لمواجهة الفيروس القاتل وأيضاً تأمين الدواء الضروري لمعالجة الحالات الصعبة للمصابين بالوباء إلى الدول التي لا تخضع للإرادة الإستعمارية الأمريكية، إذ رفض صندوق النقد الدولي طلب فنزويلا الإقتراض منه وهي الدولة العضو في المؤسسة الدولية وهي الدولة النفطية الكبيرة العضو في منظمة " أوبك " والتي يمكنها بسهولة  سداد القرض، ويأتي الإقتراض  أيضاً من أجل المساعدة في مواجهة الفيروس الخطير، لكن وجود قرار أمريكي بالحصار على هذا البلد جعل الصندوق " الدولي " يرفض طلب الحكومة الفنزويلية الشرعية لتأمين المال الكافي من أجل مواجهة التفشي السريع للفيروس ومعالجة المصابين بالوباء القاتل متذرّعاً بعدم اعتراف الإدارة الأمريكية بحكومة مادورو المعترف بها من قبل منظمة الأمم المتحدة، والجميع يعلم أن الذي تسانده الولايات المنحدة في فنزويلا لا رصيد شعبياً له في بلده أبداً وقد فشلت كافة محاولاته للإنقلاب مدعومة بالكامل وعلانية من الإدارة الأمريكية.

ومن المتوقع أيضاً رفض الطلب الإيراني من الصندوق نفسه للغرض عينه  بذريعة أو بأخرى مفتعلة، علماً بأن المفترض أن موضوع هذا الوباء المعدي والأمور الصحية الإنسانية عموماً لا علاقة لهما بالسياسة، وأن فيروس كورونا لا بقف عند حدود بلد ولا يستثني أحداً، ولا يميز بين أتباع دين وطائفة ولا يحيد عن قوم من دون قوم، وإن التردد أو التراخي بأية ذريعة ومن قبل أي طرف وبأي شكل من الأشكال في الحملة العالمية الشاملة ضد الفيروس القاتل سيؤدي إلى فشل الجهود المبذولة للسيطرة على الوباء ومنع تفشّيه واكتساحه العالم وهذا ما يهدد حياة الجنس البشري كله.

والأعجب من ذلك أن منظمة الصحة العالمية لم تعلن كورونا وباءً عالمياً إلاّ لمّا بلغت الإصابات الولايات المتحدة الأمريكية، وكأن البشرية خارج أمريكا لا قيمة إنسانية لها.

إن الروحية العنصرية تتحكم بالإدارة الأمريكية عموماً، وقد تجلت بشكلها الفاضح والقذر في الإدارة الحالية، فقاسم سليماني الذي قاد المعركة الشاملة ضد التنظيمات الإرعابية على مساحة المنطقة كلها، وهو ما جعل الشعوب في كافة الدول بمختلف انتماءاتها السياسية وتوجهاتها الفكرية تنعم بالأمان وتكون بمنأى عن الممارسات الوحشية للقاعدة وداعش والمجموعات المنشعبة عنها، لكن هذا القائد الميداني يتم اغتياله على أرض عراقية وهو في موكب رسمي برفقة موفد من قبل رئيس الوزراء العراقي بطائرات أمريكية مسيّرة وبإشراف مباشر من الرئيس الأمريكي، وفي جهة أخرى تدخل طائرة عسكرية الأجواء اللبنانية لتخطف مجرماً حقيقياً وضع نفسه في خدمة محتل لأرضه وشارك مباشرة في تعذيب مواطنية والتنكيل بالمقاومين خدمة للمحتل كل ذلك لأن الأول لا يأتمر بأوامر الرئيس الأمريكي العنصري والثاني كان في خدمة الصهاينة المجرمين.

وقد تجلّت الروح العنصرية القذرة لدى ترامب بأوضح صورها في موضوع الفيروس كورونا حيث استعمل عبارة " الفيروس الصيني " وذلك من أجل تأليب الرأي العام ضد حكومة الصين في خضم المفاوضات المتعسرة معها، ونحن هنا نطلب من الذين قالوا بـ " الوباء الإيراني " أن يقتدوا بسيدهم ويرددوا كلامه " الفيروس الصيني "، حيث نرى أن دولاً كثيرة في منطقتنا تمشي خلف ترامب " عالعميانه " وتسبّح بحمده وتتبع نهجه من دون تردد وتطبق تعليماته حرفياً.

إن الوباء القاتل سبب موت عشرات الألوف في أرجاء العالم حتى اليوم، وهذا أمر مؤلم كثيراً، لكن الأزمة أيضاً كشفت كثيراً من الحقائق الخافية عن أعين العالمين، وفضحت عمق الروح العنصرية لدى الذين يتشدقون يومياً بحقوق الإنسان والحريات العامة واحترام حق تقرير المصير للشعوب، وكيف أنهم يستعملون هذه المصطلحات حيث يريدون فرض سياساتهم وينادون بالويل والثبور دفاعاً عن شخص وموضوع يخدمان مصالح الدول المستكبرة، لكن هذه المفردات تغيب كلياً إذا كان إنسان يمارَس بحقه أبشع أساليب التعذيب في السجون والزنازين ويُقتل بأكثر الأساليب وحشية من قبل حاكم عميل يضع شعبه والثروات العينية والنقدية لبلده تحت تصرف المستعمرين، ويصبح عندئذٍ  " التحالف الإستراتيجي " و " مواجهة الإرعاب " عنواناً لتبرير السكوت عن تلك الجرائم وفرض التعتيم الإعلامي الكامل على ارتكابات حكام تلك البلاد، وأيضاً تجترم سيادة الدول حين تسير وفقاً لتعليماتها، وتقبل بنتائج ما تقرره الشعوب إذا كانت تتوافق مع توجهات الدول الإمبريالية، لكن إذا جاءت النتيحة مخالفة لسياساتها عندئذٍ يتم التشكيك بصحة التصويت ورفض القبول بتلك الشرعية المنبعثة من ذلك الإستفتاء الشعبي.

إذن فيروس كورونا على الرغم من أنه " دوّخ " العالم، وأربك الدول، وحيّر العلماء والأطباء، وقصم ظهر الإقتصاد العالمي، وقضى على تحالفات، وتسبّب في مئات الآلاف من الناس، إلاّ أنه أدّى أيضاً إلى فضح حقائق مذهلة كانت خافية، وأبان عن حقيقة وجوه كانت تُظهر براءتها والتزامها بالقيم الإنسانية والمبادئ السامية، وكشف عما تخفيه منظمات تقول إنها تخدم الإنسانية بعيدة عن إملاءات الدول، ويقول الله سبحانه: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً ) صدق الله العلي العظيم.

السيد صادق الموسوي