2020-03-23 16:43:35

تلازم الاستبداد والفساد : "متلازمة" فاسدة !بقلم محمد خليفة

تلازم الاستبداد والفساد : "متلازمة" فاسدة !بقلم محمد خليفة

تلازم الاستبداد والفساد : "متلازمة" فاسدة !بقلم محمد خليفة

تلازم الاستبداد والفساد : "متلازمة" فاسدة ! بقلم محمد خليفة مجلة الشراع 23 آذار 2020 يسود اعتقاد أن كل استبداد سياسي يمثل حضّانة للفساد ، وكل فساد حكومي أو اداري لا بد أن ينمو ويربو في بيئة من الاستبداد السياسي . أي أن علاقة العنصرين ببعضهما عضوية وجينية ، فكل استبداد لا بد أن يقترن بالفساد ، والعكس بالعكس . وقد ترسخ هذا الاعتقاد في وعي العامة خلال العقود الأخيرة ، نتيجة ظهور أمثلة كثيرة في الواقع السياسي العربي الراهن ، توحي بصحته ، حتى أصبح " مفهوما نظريا " متشحا بالعلمية ، يقوم على تلازم العنصرين ، بحيث صارا "متلازمة " واحدة دارجة في الأدبيات والتحليلات السياسية ، تنسب إلى الكاتب العربي السوري الحلبي عبد الرحمان الكواكبي في كتابه الشهير(طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد) . وهو كاتب وصحافي ذو اتجاه تحرري وعروبي ، سخر قلمه للنضال ضد الاستبداد التركي – الحميدي ، نسبة للسلطان عبد الحميد الثاني ( 1876 – 1909 ) الذي اشتهر بطغيانه وفساده ، وملاحقة المعارضين والمفكرين الاحرار واغتيالهم ، ومنهم الأفغاني والكواكبي . وكان هذا قد هرب من حلب بسبب ملاحقة السلطة له الى مصر ، فعاش فيها حتى اغتالته استخبارات عبد الحميد بالسم . وكتابه الآنف الذكر مقالات متفرقة مستوحاة من الظروف المريرة التي مر بها العرب في الدولة العثمانية ولا سيما في عقودها المتأخرة ، وعليه فالافكار والأحكام التي تضمنها ليست مطلقة . ويجب قراءتها في نطاقها المحدد بلا تعميم وإطلاق ، خصوصا أن كاتبها ليس مؤرخا ولا عالم اجتماع . والواقع أن التدقيق العلمي والتاريخي يدحض استنتاجات الكواكبي ، ويظهر سطحية المفهوم الرائج حاليا والقائم على مقاربات شعبوية تعوزها البراهين من التاريخ والفكر والواقع . هكذا ظهرت (المتلازمة) المذكورة، وتسميتها بهذا المصطلح الطبي الحديث تسمية دقيقة ، فتعريف المتلازمة كمصطلح طبي يشير الى حالة مرضية، هي اضطراب العناصر المورثة في الجنين . والمصابون بها تظهر عليهم تشوهات جسمية منذ ولادتهم . وتنطبق هذه الحالة البيولوجية على تشوهات رافقت استخدامات وتطبيقات المفهوم السابق في الميدان الفكري . لأن حقل التجارب التاريخية لا يوفر أدلة كثيرة على تلازم الاستبداد والفساد ، خصوصا إذا كان المقصود بالدولة الديمقراطية النموذج الحالي الذي لا يزيد عمره عن قرن واحد . علينا إذن تفكيك المتلازمة وفصل المصطلحين , الفساد والاستبداد , عن بعضهما وتناول كلا منهما مستقلا عن الثاني ، لنصل الى نتائج موضوعية . وعلينا أيضا إعادة تعريف الاستبداد في ضوء تطور مفهوم الدولة والسلطة وأساليب الحكم عبر التاريخ ، لأن الديمقراطية التي نضعها بمقابل الاستبداد ليست سوى انجاز حديث , مقارنة بالاستبداد الذي ساد آلاف السنين . وكانت للفساد تطبيقات ومعايير غير محددة كما هي الآن ، نظرا الى أن للمصطلحات أعمار محددة ، وصلاحيتها نسبية ، ومضامينها تتغير باستمرار . وتوضح مراجعة تجارب ونماذج الدول في العصر الحديث ، أن المستبدين لم يكونوا دائما فاسدين , لا في تاريخ العرب ولا في تاريخ الأمم الأخرى . وعلى سبيل الذكر لا الحصر ، كان نابليون بونابرت مستبدا ، ولم يكن فاسدا ، وما زال موضع اجماع شعبي وقومي . وكان لينين مثالا للاستبداد المطلق (التوتاليتاري) ، ولم يكن فاسدا , وكذلك ستالين . وطبق ماوتسي تونغ عبادة الفرد ، ولم يكن فاسدا ، وكان اتاتورك طاغية ولم يكن فاسدا ، وما زال بطلا قوميا تقدسه غالبية الأتراك ، وكذلك كان الجنرال فرانكو سفاح الحرب الاهلية الاسبانية . وفي التاريخ العربي الحديث ، اتهم خصوم الزعيم الكبير جمال عبد الناصر بالاستبداد , ولكنه بإجماع الخصوم والمؤيدين كان ونظامه مبرأين من الفساد . وكان بورقيبة طاغية ولم يكن فاسدا ، وكذلك كان بومدين ، ونور الدين الاتاسي وامين الحافظ . وعبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف وشقيقه عبد الرحمان ، وأحمد حسن البكر ، بل حتى نوري السعيد المصنف عميلا لبريطانيا لم يعرف بالفساد , بل عاش ومات فقيرا . وحتى الملوك والأمراء العرب لم يعرف عنهم الفساد ، من سعود وفيصل بن عبد العزيز حتى الشيخ زايد آل نهيان ، أو أمراء الكويت , أو الملوك الهاشميين في العراق والاردن . لقد ظهر الفساد في الانظمة العربية ، واستفحل بعد منتصف سبعينيات القرن الماضي دفعة واحدة كجزء من ظاهرة عالمية تفشت من اوروبا الى آسيا, ومن افريقيا الى أميركا لأسباب اخرى عديدة ليس هذا مجالها .