2019-12-05 11:27:14

((المرجعية الدينية)) في العراق بين أنصارها وخصومها ((فاتيكان)) شيعي.. أم مدرسة وطنية وروحية؟ بقلم / محمد خليفة

((المرجعية الدينية)) في العراق بين أنصارها وخصومها ((فاتيكان)) شيعي.. أم مدرسة وطنية وروحية؟ بقلم / محمد خليفة

((المرجعية الدينية)) في العراق بين أنصارها وخصومها ((فاتيكان)) شيعي.. أم مدرسة وطنية وروحية؟ بقلم / محمد خليفة

((المرجعية الدينية)) في العراق بين أنصارها وخصومها

((فاتيكان)) شيعي.. أم مدرسة وطنية وروحية ؟

بقلم / محمد خليفة

مجلة الشراع 6 كانون الاول 2019 العدد 1928

*سلطة دينية طائفية فوق الدستور والبرلمان والحكومة

بقلم: محمد خليفة

أكملت الثورة العراقية شهرين, من دون أن يتراجع عنفوانها, كالثورات السابقة منذ 2015, فالثورة الحالية اتسمت بالصمود والتصاعد والاتساع لمكونات ومحافظات جديدة, خصوصاً العشائر الكبيرة التي نزلت الميدان وهددت بالقتال ضد القوات التي تهاجم أبناءهم, ونزول جماهير المحافظات السنية التي ترددت في البداية, كالرمادي والأنبار وتكريت والفلوجة دعماً لمحافظات الجنوب والوسط. وقد حققت هذه التطورات أول انتصاراتها الكبيرة, باستقالة حكومة عادل عبدالمهدي بعد أن حكمت ((المرجعية الدينية)) باستبدالها .  

ويلاحظ أن شهرين من تظاهرات الغضب المليونية, وسيلان الدماء في الشوارع, وتهديد العشائر باللجوء للسلاح, ما ينذر بإشعال حرب أهلية, لم تقنع عبد المهدي بالاستقالة, فظلّ يراوغ للبقاء في منصبه إلى أن رفعت ((المرجعية)) الغطاء عنه فانصاع فوراً, وكتب خطاباً جوابياً متعهداً بالطاعة ((يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني ان شاء الله من الصابرين))!

هذا المثال يذكر بمثال آخر عام 2014 حين تشبث رئيس الوزراء نوري المالكي بمنصبه, رغم مطالبة غالبية القوى السياسية باستقالته وتحميله مسؤولية الفشل في التصدي لهجوم ((داعش)) على الموصل, فحسمت المرجعية التجاذب وأمرت المالكي بالإستقالة, فاستجاب صاغراً . ويؤكد مصدر عراقي ((حسين الصدر)) أنه لولا حزم المرجع الأعلى السيد علي السيستاني لاستمر المالكي في السلطة الى اليوم ! .

هذا الدور للمرجعية والدور الذي يؤديه المرجع السيد علي السيستاني في النظام العراقي منذ 2003 غير مسبوق في أي بلد عربي, ويشبه دور الكنيسة في أوروبا القرو- سطية, وبات موضع تساؤلات عن طبيعته ووظيفته وغايته. فما هي ((المرجعية الدينية))؟ وما حدود صلاحيتها؟ وما مواقفها مما يشهده العراق منذ الغزو الثنائي الأميركي - الإيراني؟

ما هي المرجعية؟

 ((المرجعية الدينية)) مؤسسة شيعية  تأسست في العراق عام 448 هجري ((1056م)). وهناك من يعيدها الى عام 329 هجري ((941 م)) حين غاب الإمام الثاني عشر, المهدي المنتظر غيبته الكبرى، حسب التقليد الإمامي, وانتهى دور السفراء والوسطاء الأربعة بين جمهور الشيعة وإمامهم، وبدأ دور مراجع الدين.

تأسست المرجعية في بغداد عام 329, وعلى إثر فتنة شهدتها بغداد قرر إمام الطائفة محمد بن الحسن الطوسي الانتقال الى النجف عام 448 هـ  وأسس أول حوزة، يقيم فيها المراجع، وأما حوزة قُم الإيرانية  فلم تتأسس إلا عام 1937 ((1356هجري)) لأغراض أغلبها سياسية.

 سار علماء المرجعية النجفية على منهج الإمام السادس جعفر الصادق الذي نأى ونأوا من بعده عن السياسة والعنف والثورات واستعمال القوة في شؤون السلطة والحكم, وتحقيق الغايات السياسية, مهما بلغ جور الحكام, مثلهم مثل فقهاء المسلمين السنة. وحجتهم الرئيسية أن السلطة تعود الى صاحبها ((المهدي المنتظر)) ولا يجوز لأحد أخذ مكانه, كأتباع فريق آخر من العلماء يؤمنون بـ((ولاية الفقيه)) التي أخذ بها الخميني وفرضها نظاماً لإيران بعد ثورة 1979وما زالت قائمة للآن.

 ولا يعني موقف المرجعية النجفية المبدئي عدم تدخل الفقهاء بمواجهة المفاسد العامة والفتن، خصوصاً ما يتعلق بالأحداث المهددة للدين والشريعة وبلاد المسلمين ومصالحهم العليا, كالغزو الأجنبي والاحتلال, والحروب الداخلية والصراعات الخطيرة. ولكنهم في مطلق الأحوال، لا يؤيدون العمل السياسي والحزبي  وقيام سلطة دينية، بل إنهم أقرب للسلطة المدنية. فتطبيق الدين والشريعة لديهم، من دون الإمام المعصوم عن الخطأ، يبرر الظلم بإسم الدين ويسيء له.

هذا الاتجاه المعتدل الموسوم بالاصلاحي قديم, ويتبنى في العصر الحديث مبدأ الدولةً المدنية التي تقوم على الحرية والَسيادة الشعبيّة.

 وعلى المقلب المقابل هناك اتجاه تاريخي مضاد يرفض المفهوم السابق ويتبنى مبدأ الدولة الاسلامية التي تمثل كل المسلمين وتسعى لتوحيدهم بكل الأساليب, بما فيها القوة والحرب والدم. وفي العصر الحديث يعتبر الشيخ فضل الله نوري منظر هذه الدولة الأصولية, وسارت عليها النّخب الدينية الإيرانيّة, وأنصار الثورة الخمينية.

الخلاف بين التيارين تاريخيّ على مستوى الفقه والفكر, وانسحب للسياسة والحكم.  فالاصلاحيون يريدون دولةٍ حديثةٍ تستند لدستور وقانون ومؤسَّسات، والأصوليون يريدون دولةٍ دينية تنوب عن المعصوم حتى ظهوره. وينظرون للمرجعية النجفية بريبة وعدائية, فهي بعيدة برأيهم عن روح ((الثورة الحسينية)). وتعمقت الخلافات أثناء إقامة الامام الخميني في النجف, واقترنت بمصالح سياسية زادت بعد وصول الخميني للسلطة, وأخذت طابعاً قومياً بين مرجعية النجف ومرجعية  قم التي تعبر عن مدرسة الخميني الفكرية السياسية, ومصالح إيران القومية.

 وعارضت مرجعية النجف ((ولاية الفقيه, والعمل الحزبي السياسي في غياب المعصوم، وحافظت على دورها الروحي والأخلاقي والاجتماعي, والإدلاء برأيها في القضايا الوطنية المهمة فقط, ولم تتدخل بالشؤون الخارجية.

تناقضات بحاجة للحسم

على أي حال لم تسلم مواقف المرجعية النجفية من النقد اللاذع والادانة والهجوم, بشأن بعض القضايا الوطنية, كالاحتلال الأميركي للعراق, وجرائم الحشد الشعبي وفضائح الفساد.

 ولعل أكبر خطاياها دورها في هندسة النظام الحالي منذ عام 2003, فهي كرست  الطابع الشيعي الطائفي للدولة والمجتمع, وهمشت دور المكون السني, وأقصت المرجعية السنية التي مثلتها إدارة الوقف السني بقيادة الشيخ حارث الضاري.

 والمرجعية  فرض دورها وجعلته سلطة دينية وزمنية أعلى من مؤسسات الدولة الدستورية والتشريعية والحكومية, كأنها المرجع الأخير فوق الدولة والبرلمان والحكومة, فكلمتها لا تقبل الطعن أو الإعتراض. وفي بداية عراق ما بعد 2003 أدت دور المشرع الأخير في اقرار الدستور, ثم في اقرار قانون النفط, ونظام المحاصصة الذي يمثل أساس الفساد والخراب.

ولا بد من الاشارة الى أن المرجعية هي التي شرعت مبدأ ((الجهاد الكفائي)) بحجة التصدي لـ((داعش)), والذي تمثل في ((فصائل الحشد الشعبي)) ذات اللون الطائفي المتطرف, وتحولت فعلياً ألة إبادة وتحطيم، من دون ان يصدر عن المرجعية موقف قوي يستنكر هذه الجرائم المخجلة التي بلغت حد الابادة والتطهير.

وحتى بعد انفجار الثورة الشعبية التي تقدمتها جماهير الشيعة العربية الفقيرة حاولت المرجعية في البداية امساك العصا من وسطها, فاتهمها الثوار بالتواطؤ مع الطبقة الحاكمة وسياساتها الاجرامية, والتستر على فسادها. بل إن بعض الخبراء الثقات أكدوا أن المرجعية هي التي رشحت عادل عبدالمهدي العام الماضي لرئاسة الحكومة, وهي من دون شك تعرف فساد عبدالمهدي خلال الاعوام السابقة.

أما السؤال الذي لا بد من الإجابة عليه بجرأة فهو هل يستقيم وجود سلطة دينية بهذه القوة في دولة حديثة يفترض أنها دولة ديمقراطية وعلمانية ؟

 وهل يستقيم وجود مركز سلطة شيعية فوق البرلمان والدستور في بلد متعدد الطوائف.؟

يقول بعض أنصار المرجعية تبريرا للامتياز الذي تحظى به أنها قامت بدور رائد  في تأسيس الدولة الوطنية العراقية وقادت الحركة الشعبية ضد الاستعمار البريطاني في ثورة العشرين. ولكن هل يعطيها هذا الإرث الحق بأن تصير ((فاتيكان أو كنيسة)) لمجتمع حديث؟ و.. ألا يخلق ذلك سلطة دينية رجعية يمكن أن تقوم بدور وطني يوماً, وغير وطني في يوم آخر؟

أسئلة تعكس تناقضات مرحلة انتقالية من تاريخ العراق شديدة التعقيد ذات قابلية لتوالد وتكاثر الأزمات الخطيرة.

كيفما كانت الإجابات فالمؤكد أن العراق لن يتجاوز مرحلته الصعبة وتعقيداتها من دون حسم هذه التناقضات بين الدولة الدينية والدولة الديموقراطية, وبين الدولة المستقلة, والدولة المحكومة التابعة.