2019-11-28 13:45:56

جديد الكاتب فؤاد مطر: عسكر سورية.. وأحزابها غواية الإنقلابات والتقلبات والولاءات الحنظلية ودراميديا جنون العظمة لجنرالات البلاغ رقم 1

جديد الكاتب فؤاد مطر: عسكر سورية.. وأحزابها غواية الإنقلابات والتقلبات والولاءات الحنظلية ودراميديا جنون العظمة لجنرالات البلاغ رقم 1

جديد الكاتب فؤاد مطر: عسكر سورية.. وأحزابها غواية الإنقلابات والتقلبات والولاءات الحنظلية ودراميديا جنون العظمة لجنرالات البلاغ رقم 1

جديد الكاتب فؤاد مطر

عسكر سورية.. وأحزابها

غواية الإنقلابات والتقلبات والولاءات الحنظلية
ودراميديا جنون العظمة لجنرالات البلاغ رقم 1

مجلة الشراع 29 تشرين الثاني 2019 العدد 1927

 

قبْل سبعين سنة، وبالتحديد بدءاً من يوم الأربعاء 30 آذار/ مارس 1949 دخل العالم العربي عصر الإنقلابات العسكرية، وهكذا باتت هنالك حساسية وإلى درجة الحذر الشديد المتبادَل بين العسكر والحكام والحكومات المدنية.

في بداية الأمر كانت الإنقلابات العسكرية ذات نهج يميني. ثم إنقلاباً بعد آخر بدأت الأفكار اليسارية تشكِّل مرامي الخطاب الإنقلابي وذلك لأن الإنقلابيين أعلنوا أنهم حركات ثورية وأن ما قاموا به بعيد كل البعد عن الحالات الإنقلابية التقليدية.

على مدى سبعين سنة حدثت عشرات المحاولات الإنقلابية بعضها صمد وبعضها فشل ودفع جنرالات وضباط حياتهم ثمناً للمغامرة. كانت المآسي الناشئة عموماً كثيرة ثم بدأت تتلاشى وتنمو بدلاً منها ظاهرة الإنقلاب المشترَك من جانب قوى مدنية لقي حراكها قبولاً ثم تشجيعاً فتعاوناً من جانب عناصر متقدمة الرتبة في المؤسسة العسكرية. وهذا التعاون أثمر إسقاط نظاميْن كان الرئيس في كل منهما يروم دورة رئاسية جديدة مع أنهما: الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في حالة صحية دقيقة والجزائر تحتاج إلى رئيس منزَّه عن المرض وإرتضاء كثرة مراكز القوى والفساد في الدولة، والرئيس السوداني عمر البشير مطارَد جنائياً دولياً وعاجز عن تأمين إستقرار بجميع أنواعه وبالذات ما يتعلق بالخبز والبنزين والتعامل المصرفي، فضلاً عن إنفراد في السلطة أوجد حالة ضجر شعبي منه.

في ضوء الذي جرى في كل من السودان والجزائر وتلاه حراك صارخ في كل من لبنان والعراق أخرج الكاتب والمؤلف فؤاد مطر من إضباراته أوراقاً كان بدأ قبْل حوالى نصف قرن تحبير وقائع وأفكار عليها حول الإنقلاب العسكري الأول في العالم العربي الذي كان المحفِّز أو الملهم لمزيد من الإنقلابات العسكرية، مع الإشارة إلى أن حسني الزعيم إستلهم محاولة إنقلاب خجول قام بها الفريق بكر صدقي الكردي العراقي أباً وأماً بمعاونة قائد القوة الجوية وعُرف ﺑـ((بإنقلاب المناشير)) حيث أن إحدى طائرات السلاح الجوي أسقطت ألوف المناشير على المواطنين في بغداد ومدن أُخرى تطلب إقالة حكومة ياسين الهاشمي وإلاَّ فإن الجيش سيأتي إلى بغداد. وكان الملك غازي حصيفاً فإستبدل الهاشمي بحكمت سليمان وكافأ بكر صدقي بتعيينه رئيساً للأركان. ولم يهنأ هذا الأخير حيث جرى إغتياله بعد بضعة أشهر أثناء سفره إلى تركيا.

ثم جاءت الإنتفاضتان السودانية والجزائرية وكيف أن الطيف المدني تعاون مع الطيف العسكري فأسقطا النظام، تجعله يقدِّم كتابه الجديد إلى أجيال من حقها الإحاطة بالذي جرى قبْل سبعين سنة في سورية.. ثم بدأ يتكرر في أقطار عربية كثيرة. كما تجعله في مضامين كتابه يبدي الخشية من حدوث الأعظم وذلك في ضوء الصراعات المتنقلة بين رموز العمل السياسي والحزبي في بعض دول الأمة.

الكتاب ((الدار العربية للعلوم - ناشرون)) في 296 صفحة من القطع الكبير.

((الشراع)) اختارت نشر وثيقتين وهوامش زخر بها كتاب الزميل مطر، في اطلالة على مرحلة سياسية غنية بوقائعها وأحداثها استخرج منها الزميل الصديق ما يفيد الباحث والطالب والسياسي ودائماً القارىء.

رسالة الى الشيشكلي من اللواء نجيب ومعها هدية ((جلد الاسد))

رداً على رسالة بعث بها أديب الشيشكلي الى اللواء محمد نجيب عن طريق شقيقه اللواء علي نجيب سفير مصر لدى سورية، تلقى الرئيس السوري من الرئيس المصري رسالة نشرتها الصحف السورية الصادرة يوم الجمعة 30 تشرين الأول/ اكتوبر على النحو الآتي:

تحياتي وتمنياتي القلبية عاد الى مصر اللواء علي نجيب سفير مصر في دمشق يحمل الينا تحيات أخوتكم وصداقتكم ويحدثنا عن مبلغ ما تكنونه لمصر شقيقتكم ولرجال حركتها من إعجاب وتقدير. واني ازاء هذا أحيي فخامتكم تحية إخاء وإعزاز ويسرني ويسعدني ان تتقبلوا الهدية المتواضعة التي يحملها بإسمي اليكم سفير مصر في الجمهورية السورية. وقد اخترت لفخامتكم جلد الاسد رمزاً للاعتراف بشجاعتكم التي أبديتموها وتبذلونها دائماً في ادارة دفة الأمور في شقيقتنا سورية العزيزة وإقدامكم وحماستكم في خدمة العروبة والعرب الأمجاد. ولن أنسى تلك الفترة السعيدة التي نعمنا فيها بزيارتكم لنا وأنسنا بلقائكم في وطنكم مصر ووطننا واتحدت عزائمنا واتفقت كلمتنا ان نكون جميعاً على قلب رجل واحد لنعيد للعروبة مجدها التالد ولأبنائها عزهم السالف. وفقنا الله وهدانا سواء الصراط.

ورد الرئيس الشيشكلي بالرسالة الآتي نصها:

((تلقيت ببالغ الغبطة والسرور رسالة فخامتكم التي حملها الينا سفيركم لدينا اللواء علي نجيب مع هديتكم الثمينة. واني لأشكر فخامتكم على هذه الرسالة الكريمة لما تتضمنه من صميم العاطفة نحو وطنكم سورية ووطننا، ولما تحمله من عواطف الأخوة نحو شخصي، كما أشكركم على هديتكم الجميلة وعلى ما ضمنتموه من رمز العطف الذي أوحى به اليكم شعوركم النبيل.

لقد جددت رسالتكم في نفسي ذكريات زيارتي السعيدة لمصر الشقيقة حيث نعمت بلقاء أخ كريم لمست فيه الحكمة والشجاعة والاخلاص. واني اذ أحيي في شخصكم وشخص أخوانكم الكرام رمز مصر المتحفزة أدعو الله ان يأخذ بيدنا لما فيه ازدهار مصر وخير العروبة)).

دور مصري للدكتور جورج حبش في محاولة اغتيال الشيشكلي

كانت لي شتاء العام 1975 عدة جلسات مع الأمين العام لـ((الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين)) الدكتور جورج حبش  من أجل اعداد كتاب يتناول سيرته الذاتية وظروف نضاله وذلك في صيغة حوارات معه تتضمن من الأسئلة كل ما من شأنه ان يفي بالفكرة. ولقد صدر الكتاب بطبعته الأولى في لندن والثانية في بيروت عام 2008. من بين النقاط التي أثرتها معه ما يتعلق بارتباط اسمه بتدبير محاولة لاغتيال أديب الشيشكلي وما هي مسؤولية الشيشكلي ازاء نكبة فلسطين (*)؟

ولقد أجاب بالآتي:

عندما قررنا بعد الاجتماعات التي تمت بين مجموعة بيروت ومجموعة سورية والمجموعة المصرية انه لا بد من انشاء تنظيم، ناقشنا بعض القضايا التنظيمية من نوع ان عضو التنظيم يجب ان يعرف عضواً واحداً في هذا التنظيم. كذلك ناقشنا وسائل الاتصال بين أعضاء التنظيم.

وفي تلك الفترة لم يكن عندنا فكر سياسي وانما كان هناك هدف واحد وهو ضرورة القيام بعمليات اغتيال الذين خانوا فلسطين وأضاعوها. وحتى تجربة المحاضرات والندوات من خلال ((العروة الوثقى)) لم تكن كافية بالنسبة إلي مثلاً لتكوين فكر سياسي شامل.

كانت القضية أمامنا مطروحة بشكل مبسط ومحدد وهي ان هنالك من خان وتخاذل فأضاع فلسطين ويجب ان نتدرب على السلاح ونحصل عليه ونغتال الخائن والمتخاذل.

ولقد قمنا بالفعل بمجموعة عمليات مسلحة فألقينا القنابل على بعض السفارات ووضعنا خططاً لاغتيال الملك عبدالله وغلوب باشا ونوري السعيد.

في تلك الفترة كانت التسمية التي أطلقناها على تنظيمنا هي ((كتائب الفداء العربي)). وكان النهج السياسي لهذا التنظيم ضيقاً وخلاصته اننا نحقق الأهداف عن طريق العنف.

واستمر التنظيم يعمل بشكل طبيعي الى ان وقعت حادثة جعلت الخط الثوري يرتطم بالفشل. وكان ذلك بعد ان طرحت مجموعة مصر اغتيال اديب الشيشكلي كهدف من أهداف التنظيم. ولما كان الشيشكلي ليس واحداً من المسؤولين في نظرنا عن نكبة 1948، لأنه لم يكن على رأس السلطة عندما حدثت النكبة فإننا (أقصد هنا مجموعة بيروت) سألنا مجموعة مصر عن سر اختيارها الشيشكلي. وخلال النقاش شعرنا ان أهدافنا ليست متفقة مع أهداف مجموعة مصر. هدفنا ضرب المسؤولين عن النكبة والسفارات الاستعمارية. وهدف مجموعة مصر يختلف تماماً عن هدفنا. ولم نوافق مجموعة مصر على هدفها. لكن هذه المجموعة استمرت تفكر في مهمة اغتيال أديب الشيشكلي.

وذات يوم فوجئنا ونحن في بيروت بمانشيتات في الصحف حول محاولة لاغتيال اديب الشيشكلي وان الجهة التي نفذتها كانت تنظيماً جديداً يدعى ((كتائب الفداء العربي)) وفهمنا ان مجموعة مصر ذكرت خلال التحقيق كل شيء، على ما يبدو، واعترفت بالأسماء وبينها اسمي وأسماء الرفاق أعضاء مجموعة بيروت.

واتفقنا (أعضاء مجموعة بيروت) على ان نختفي، لأنه ليس معروفاً متى تطالب السلطات السورية لبنان باعتقالنا وتسليمنا، يضاف الى ذلك ان السلطات اللبنانية، من دون ان تطلب سورية منها، قد تلقي القبض علينا، او ان ادارة الجامعة قد تطلب من السلطات ذلك.

واجتمعنا لتدارس المسألة وتقرر ان يتخذ كل من أعضاء المجموعة خطاً. وعلى سبيل المثال فإن الخط الذي اتخذته كان بترك الجامعة الاميركية مؤقتاً والاختفاء في بيروت. وخلال حصولنا على المتفجرات من شخصيات لبنانية مساندة للحركة الوطنية الفلسطينية كانت قد توثقت بيننا وبين هذه الشخصيات علاقات جيدة. ولذا كان من السهل تأمين أمر الاختفاء.

كنت في السنة الخامسة من دراسة الطب عندما قررت الانقطاع عن الدراسة والاختفاء. لكن الانقطاع لم يطل لأن الشيشكلي كان مرناً وذكياً، ولم يتشدد في مسألة محاولة اغتياله، ربما لأنه وجد ان المواطنين سيقفون في صف الذين رتبوا للاغتيال، وسيبررون لهم محاولتهم التي تمت في ظل الهزيمة. وأتذكر ان الأحكام التي صدرت راوحت بين البراءة وبين السجن مدة غير طويلة.


هوامش حول لعبة العسكر والأحزاب

من بين الخطوات اللافتة في أحد بلاغات الانقلاب العسكري الأول في سورية ان زعيم الانقلاب حسني الزعيم منع الاتجار بالرقيق في منطقة اللاذقية ومن دون ان يحدد طبيعة ((السلع البشرية)) التي يجري شراؤها وبيعها. وهذه التجارة من جملة دواعي الاخضاع العلوي منذ ان أمسك الفريق حافظ الاسد بزمام السلطة طوال ثلاثة عقود لرموز عائلية كثيرة في المجتمع السياسي والبورجوازي السني.

ظاهرة الاستفتاء على الرئاسة بالذات عاشتها سورية في بداية الخمسينيات بدءاً باستفتاء مدروس النتائج أراده الزعيم حسني الزعيم. وهذا أوردناه في سياق وقائع الانقلاب. وبعد الاستفتاء السوري بدأت الاستفتاءات في مصير كل رئيس يجري له استفتاء ودائماً تكون النسبة تسعينية وما فوق ولمصلحة الرئيس.

من مآثر انقلاب الزعيم حسني الزعيم انه اكتفى بوضع الرئيس الشرعي للبلاد شكري القوتلي ورئيس الحكومة زمنذاك خالد العظم في مستشفى المزة ولم يقتلهما على الفور على نحو ما فعل على سبيل المثال لاحقاً في العراق اللواء عبدالكريم قاسم الذي قام بالانقلاب على الملكية يوم 14 تموز/ يوليو 1958 وأعدم معظم أفراد الأسرة المالكة وهو وزر ما بعده وزر. وأما مأثره حسني الزعيم فانها تتمثل في تسفير الرئيس القوتلي الى جنيف وتكليف كتيبة من الشرطة العسكرية برئاسة ضابط تأدية التحية له في المطار. هذا لن يلغي شعور الرئيس بالمرارة من الانقلاب لكن حسني الزعيم سجل بذلك نقطة ايجابية في تاريخه. وبالمقارنة مع تسفير القيادة العسكرية في تونس للرئيس زين العابدين بن علي تحت جنح الظلام من مطار تونس الى السعودية حيث اختار الاقامة كلاجىء سياسي، فإن تسفير الرئيس القوتلي كان أكثر احتراماً. وأما الذي ارتضاه الرئيس حسني مبارك وهو البقاء في مصر بعد اسقاط نظامه ووضع نفسه بتصرف القضاء فإنه صيغة وسط بين الحالتين حالة القوتلي التي أرادها له حسني الزعيم وحالة بن علي التي اختارتها قيادة الجيش التونسي بعد الانتفاضة الشعبية على النظام وإسقاطه. الأولى تكريمية وفي وضح النهار ومقرونة بتحية عسكرية له في المطار. والثانية كأنها عملية تهريب بأعلى درجات الاشراف من جانب القيادة العسكرية للرئيس المدني من أصل عسكري. وهذا يعني ان مسايرة الجنرالات بعضهم لبعض وبالذات في زمن الانقلابات والانتفاضات، من جملة التقاليد العسكرية عند الضرورة.

من الحالات النادرة هذه العلاقة الراسخة الجذور بين رئيسي لبنان وسورية في الخمسينيات: الشيخ بشارة الخوري وشكري القوتلي. ومن علائم العلاقة التي لم تتكرر بهذه العفوية من جانب الرؤساء اللبنانيين بعد بشارة الخوري مع الذين ترأسوا سورية ان الشيخ بشارة شعر ان الذي أصاب القوتلي هو شعور توأم أحزنه مصاب لحق بتوأمه.

ليست جديدة في طبيعة العلاقات اللبنانية – السورية تلك الظاهرة المتمثلة بـ((تهافت)) كثيرين من أهل السياسة والحزبية في لبنان على الحاكم السوري. وهذا ((التهافت)) على نحو تسمية الشيخ بشارة الخوري أول رئيس جمهورية للبنان المستقل كان حاصلاً في عهده وبالذات في الخمسينيات وازدهر بشكل خاص في العهود الانقلابية حيث الزيارات التهافتية من أقطاب السياسة الحزبية لعهد حسني الزعيم ثم لعهد اديب الشيشكلي كانت لافتة. ثم يتواصل ((التهافت)) مع سائر العهود اللاحقة قبل الوحدة المصرية – السورية وأثناء سنتي الوحدة وصولاً الى ذروة ازدهار ((التهافت)) بدءاً بالانقلاب البعثي الأول (صلاح جديد مع غطاء من البعثيين المدنيين) الذي لم يعمر طويلاً الى الانقلاب الذي قاده الفريق حافظ الاسد بتسمية ((الحركة التصحيحية)) وكان اذا جاز القول الانقلاب الأخير حيث استحال على جنرالات سوريين خوض المغامرة الانقلابية.

في زمن حسني الزعيم وأديب الشيشكلي كان ((المتهافتون)) اللبنانيون كثيرين أبرزهم سامي الصلح وكميل شمعون وسليمان العلي وكمال جنبلاط ونصوح الفاضل وعبدالحميد كرامي. اما في زمن الرئيس الاسد الاب فكان ((التهافتيون)) بالمئات، ثم انحسر العدد بالتدرج في عهد الرئيس الابن بشار.

عند التأمل في الأحوال السورية في زمن الانقلاب الأول ثم ما تلاه من انقلابات يتبين كم ان الصحافة اللبنانية كانت احد الرقمين الصعبين بالنسبة الى استقرار العهد الانقلابي. اما الرقم الثاني فإنه الزعيم السني المرموق رياض الصلح الذي كان تأثيره فاعلاً على الصحافة من جهة وعلاقته الوثيقة بالأطياف السورية المعارضة.

استند الزعيمان الانقلابيان حسني الزعيم ثم اديب الشيشكلي على المملكتين المصرية والسعودية، بدليل انه لولا وقفة الملك عبدالعزيز والملك فاروق مع كل من حسني الزعيم واديب الشيشكلي لما كان الاثنان ليصمدان امام الشأن الذي عليه أردن الملك عبدالله وعراق الوصي عبدالإله في الخمسينيات.

اذا نحن عقدنا بعد التأمل مقارنة بين الانقلاب السوري الذي قام به حسني الزعيم والانقلاب الأخير في مسيرة الحكم السوري الذي قام به حافظ الاسد ومن بعده لم تعد الانقلابات سهلة الحدوث، نلاحظ ان حسني الزعيم لم يوظف الترحيب الذي لقيه ومن أجل ذلك سقط مضرجاً بدمه في عملية اعدام برصاص عساكر، بينما نجح حافظ الاسد في ترحيب السوريين به لأنه لم يستعمل كلمة ((الانقلاب)) واختار تسمية ((الحركة التصحيحية)) ولأن الشعب السوري كان في الوقت نفسه دخل حالة من الاحباط نتيجة كثيرة الانقلابات العسكرية.

الحساسية السورية من العراق ذات جذور. في عهد حسني الزعيم كان نوري السعيد يتطلع وسعى جاهداً لضم سورية الى العراق واعلان البلدين مملكة. وفي عهد حافظ الاسد كان صدام حسين يسعى لضم سورية الى العراق بهدف قيام ((دولة البعث العربي)). في الحالتين لم تثمر التطلعات العراقية وبقيت سورية جمهورية مستقلة ذات سيادة لبضع سنوات ومثلثة السيادة في عهد الرئيس بشار الاسد.

في زمن مصر الملكية كانت مصر ترى في سورية عمقاً يعزز شأنها ومن أجل ذلك رأينا الملك فاروق يسبغ أهمية قصوى على سورية واهتماماً نوعياً بزعيم الانقلاب السوري الأول. وفي زمن مصر الجمهورية لقي صاحب الانقلاب الثاني أديب الشيشكلي من ثورة 23 تموز/ يوليو 1952 في شخص اللواء محمد نجيب اطراءات لم يسبق أحد ان حظي بها مسؤول عربي من حاكم مصري. وفي عهد الرئاسة الثانية لـ شكري القوتلي وكانت سورية بدأت تعيش مرحلة استقرار وصراعات سياسية وحزبية بالغة الضراوة وضع شكري القوتلي الأمر والمصير بيدي عبدالناصر وكان قيام ((الجمهورية العربية المتحدة)) التي لم تصمد امام انقلاب عسكري بنوعية الانقلاب الأول الذي قام به حسني الزعيم. وحدث الانفصال الذي لم تبرأ من تداعياته النفسية سورية، اما بالنسبة الى عبدالناصر فإن الحلم الوحدوي الجميل تحول بفعل الانفصال الى كوابيس لأزمته حتى وفاته.

في انقلابه على الشرعية اعتمد حسني الزعيم أسلوب تحريض الضباط على السياسيين. ومع ذلك لم يتنبه رموز السلطة الشرعية الى ذلك. بل ان الرئيس شكري القوتلي استهان بالأمر مع انه كان يقول لخالد العظم الذي سعى لدى الرئيس لإعادة حسني الزعيم الى الجيش بعدما كان مطروداً منه ((اذا أعيد الى الجيش أفسده وأقدم على قلب الأمور)).

لطالما كان الملك الهاشمي عبدالله يشكل حالة اقلاق للانقلابي حسني الزعيم والى درجة انه عندما رأى ضابطاً في الشرطة العسكرية كان يعتمر بفيصلية ظن ان الملك عبدالله هجم على دمشق بجنوده لاحتلالها. وفي كل خطوة يخطوها كان حسني الزعيم دائم القلق من دور يقوم به الملك عبدالله الذي جرى اغتياله لاحقاً.

كان لافتاً ان رئيس الحكومة خالد العظم خاطب رئيس الجمهورية وهو يلقاه في غرفة مستشفى المزة حيث كلاهما قيد الاحتجاز باللغة التركية وذلك من باب التمويه كي لا يسمعهما العسكري الحارس على باب الغرفة وينقل كلامهما الى المرجع الأعلى. هذا التمويه من الرئيسين اللذين يتقنان اللغة التركية حدث مثيل له في مصر خلال حرب 6 تشرين الأول/ اكتوبر 1973 حيث ان بعض قادة القطعات التي عبرت قناة السويس استعملت كلغة اتصال بواسطة ((الشيفرة)) الكلمات النوبية. ولقد أحدث هذا التمويه ارتباكاً في صفوف القوات الاسرائيلية وانجازات طيبة في الجانب المصري.

من بين المواقف اللافتة ان الرئيس اللبناني الشيخ بشارة الخوري سعى لدى الملك عبدالعزيز والملك فاروق من أجل اقناع حسني الزعيم نقل الرئيس المحتجز شكري القوتلي من سجن المزة الى دار والدته وان حسني الزعيم تجاوب. مثل هذا المسعى من الحالات النادرة يعكس مدى علاقة الرئيس بشارة الخوري بالرئيس شكري القوتلي ومدى تقدير الملكين السعودي والمصري للمبادرة اللبنانية التي لم نسمع مثيلاً لها في تاريخ الحركات الانقلابية.

اللقاء التاريخي بين الرئيس جمال عبدالناصر (في زمن الوحدة مع سورية) والرئيس اللبناني فؤاد شهاب في خيمة جرى نصبها مناصفة على أرض سورية – لبنانية، كان اللقاء الثاني المحترم بين رئيسين ما زال أثره حاضراً في الذاكرة حتى الآن. أما اللقاء الأول فكان هو الآخر في منطقة حدودية بين حسني الزعيم وبشارة الخوري. وبعد هذين اللقاءين المحترمين بات رؤساء لبنان يلتقون بالرئيس حافظ الاسد ثم الرئيس بشار الاسد في دمشق ومن دون ان يرد الرئيس السوري الزيارة الى الرئيس اللبناني.

كان الترحيب بالحناوي استثنائياً من جانب قطاعات من الرأي العام السوري ليس لأنه من الجنرالات الانقلابيين وانما لأنه أعدم على الفور حسني الزعيم ورأوا في الترحيب هذا انه ثأر لانقلاب الزعيم على الشرعية والحكم المدني عموماً وبالذات على رئاسة شكري القوتلي. ورغم ذلك فإن القوتلي بعث الى هاشم الأتاسي الذي هو رئيس حكومة وليس الحناوي ببرقية تهنئة. وهذا لأن في نفسه مرارة ما بعدها مرارة من الجنرالات عموماً، خصوصاً بعدما قلبوا حكمه.

هامش (*):

اتخذت اللجنة السياسية لمجلس الجامعة العربية في آذار/ مارس – نيسان/ ابريل 1950 قراراً يقضي بأن تقصى من حظيرة الجامعة أي دولة تتفاوض مع اسرائيل لعقد صلح معها او عقد اي اتفاقية أخرى.

في حينه كانت الأزمة مع الأردن الذي تردد انه وقع معاهدة اقتصادية مع اسرائيل من شأنها فتح ثغرة في الحصار الاقتصادي العربي على اسرائيل.

يوم الخميس 12 ايار/ مايو 1949 أصبحت اسرائيل عضواً في الأمم المتحدة بعد تصويت الجمعية العمومية على طلبها الانتساب الى المنظمة الدولية بأغلبية 37 صوتاً مقابل 12 صوتاً عارضوا و9 امتنعوا عن التصويت. والدول التي عارضت هي: أفغانستان، بورما، مصر، الحبشة، الهند، ايران، العراق، لبنان، باكستان، المملكة العربية السعودية، سورية واليمن.

اما الدول التي امتنعت عن التصويت فهي: بريطانيا، بلجيكا، البرازيل، الدانمارك، السلفادور، اليونان، سيام، السويد وتركيا.