2019-11-28 12:33:08

المؤتمر المسيحي العربي الأول في باريس: تمسك بالعروبة.. دولة مدنية لا اسلام سياسي بقلم : محمد خليفة

المؤتمر المسيحي العربي الأول في باريس: تمسك بالعروبة.. دولة مدنية لا اسلام سياسي بقلم : محمد خليفة

المؤتمر المسيحي العربي الأول في باريس: تمسك بالعروبة.. دولة مدنية لا اسلام سياسي بقلم : محمد خليفة

المؤتمر المسيحي العربي الأول في باريس

تمسك بالعروبة.. دولة مدنية لا اسلام سياسي

بقلم : محمد خليفة / مجلة الشراع 29 تشرين الثاني 2019 العدد 1927

  

أثار انعقاد المؤتمر المسيحي العربي الأول يوم السبت الماضي 23 تشرين الثاني/ أصداء واسعة تتجاوز المعايير والمستويات العادية, لأنه الأول من نوعه منذ قرن تقريباً, الذي يمثل جماعة دينية تحظى باهتمام عالمي قد لا تحظى به مكونات دينية أخرى, والأهم مما سبق انه يمثل ظاهرة من ظواهر الحراكات الثورية التي تجتاح المنطقة العربية . فالربيع العربي بما يمثله من ثورة على واقع مزرٍ, وإخفاقات عميقة مرت بها الدول الوطنية في مجالات التنمية والتحديث كافة, والعدالة, والديموقراطية, والمشاركة السياسية. فالمؤتمر يستهدف التوصل الى إجابات على أسئلة الحاضر, وتحديات المستقبل التي تواجه أمتنا, بكل مكوناتها واتجاهاتها, في مرحلة فاصلة بين واقع لم يعد صالحاً للاستمرار, ومستقبل بدأ يتشكل بصعوبة وبكثير من العنف والألم, نتيجة غياب شروط التطور الطبيعي, والبيئة الصالحة للحوار الوطني والتصالح الجماعي. ويعتقد المسيحيون العرب أنهم تعرضوا لظلم مضاعف على خلفية ديانتهم الأمر الذي يستدعي إبراز مظلوميتهم التي تكشف عن اختلالات عميقة على صعيد السلطة والدولة وعلى صعيد الاجتماع السياسي والوطني أيضاً.

ما الذي يقلق المسيحيين؟

لا شك أن المسيحيين في معظم بلدانهم من فلسطين الى العراق , ثم سورية ولبنان نالهم كثير من الإرعاب والبطش والتهديد بسبب هويتهم الدينية, تمثل في سياسات تهجير منهجية من قبل أنظمة الاستبداد وعمليات قتل ونسف كنائس من منظمات التطرف والارعاب على حد سواء, كما يقول الأكاديمي والنائب في البرلمان المصري د. عماد جاد, والسياسي الكلداني, والوزير في حكومة كردستان العراق أنو جوهر عبدالمسيح. أما المثقف اليساري السوري  ميشال كيلو فيؤكد أن الهجرة الكبرى للمسيحيين من سورية حدثت بين 1970 – 2010 في عهد الأسد الأب والإبن مما أدى لتناقصهم من 12%  الى 6% فقط بسبب سياسة الاقصاء والتضييق التي اتبعها النظام الذي يدعي أنه حامي الأقليات, وقبل أن تنفجر الثورة السورية, وقبل أن تظهر ((داعش)) والقاعدة على أرض سورية!

ولم يقتصر استهداف المسيحيين العرب على ما سبق , بل توازى معها ولا سيما في السنوات الأخيرة محاولات خبيثة للاستثمار والتوظيف السياسي من بعض الأنظمة والأطراف الدولية والاقليمية, وفي مقدمها نظام الأسد الذي قدم نفسه للعالم حامياً للأقليات من خطر الإبادة على أيدي المتطرفين المسلمين.

وتمتد هذه المحاولات الى دول كبرى بعيدة عن المنطقة كروسيا واميركا حالياً على غرار سياسات بريطانيا وفرنسا في القرنين السابقين اللتين تذرعتا بحماية المسيحيين خصوصاً, وبقية الأقليات الروحية عموماً, للوصول الى أهدافهما. والتي لم تكن في نهاية المطاف أكثر من استغلال لمخاوف المسيحيين لتحقيق أطماعهما  ومصالحهما في المنطقة أو كما يلخصها د . فارس سعيّد السياسي اللبناني البارز ((لقد حولت هذه الدول في حقيقة الأمر المسيحيين أكياس رمل تحتمي بهم, بدل أن تحميهم)).. ويؤكد أن المسيحيين العرب رفضوا هذه السياسات منذ اليوم الأول, وما زالوا يرفضونها لليوم, لأنهم كانوا مقتنعين, وهم اليوم أكثر اقتناعاً بأن ما يوفر لهم الحماية هو اندماجهم في مجتمعاتهم, ومع مواطنيهم المسلمين وغير المسلمين على قاعدة الشراكة الأبدية والإيمان بالهويات الوطنية, والتخلي عن الهويات المذهبية والعرقية استمراراً لتاريخ طويل من التعايش القائم على الاعتراف المتبادل بالآخر والتسامح .          

جاء المؤتمر المسيحي العربي الأول إذن، رداً استباقياً على ((حلف الأقليات)) الذي يجري الإعداد له لتزييف الواقع والتاريخ, وخطف ((المكونات الأصيلة)) التي سماها الطرف الآخر ((أقليات)) ويتمسك بهذه التسمية, لاستدرار العطف وتوسل الحماية والشفقة من الخارج. والمؤتمر ليس تحركاً طائفياً مسيحياً كما روج عنه أعداؤه, لأن اللجنة التحضيرية ضمت شخصيات فكرية اسلامية, وبلغت نسبة المشاركين في أعمال المؤتمر نحو 50% على الأقل. وحظيت المبادرة منذ ولادة الفكرة حتى إنعقاد المؤتمر بدعم ومباركة من الفاتيكان والخارجية الفرنسية و((مركز الملك عبد الله بن عبدالعزيز العالمي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات)).

ولم يكن صدفة أن يتزامن المؤتمر مع ثورات الشعوب العربية من لبنان والعراق والجزائر والسودان التي تجاوزت الانقسامات الطائفية والعصبيات المادون وطنية, فهو يجاريها في اتجاه تاريخي واحد نحو الانعتاق من أنظمة الطغيان والخلاص من وصاية الجيوش والأحزاب والتنظيمات المرتبطة بالخارج, وخصوصاً نظام الأسد الذي يتصدر  قائمة أسوأ أنظمة الحكم الشمولية في العالم. وتطوبه أحد محركات التغيير التاريخي والثورة على الصعيد الفكري.

عقد وطني ومانفيست تاريخي

ولم يكن صدفة أيضاً أن تحقق المبادرة بعض نتائجها المأمولة بمجرد الإعلان عن فكرتها, ثم تتابعت أصداؤها ونتائجها المسبقة حتى انعقد يوم السبت الماضي 23 تشرين الثاني/نوفمبر, حيث اجتمع في باريس زهاء مائة وخمسون ((150)) شخصية مسيحية ومسلمة غالبيتهم أكاديميون ومثقفون, وقليل منهم رجال سياسة، وحقوقيون ورجال دين, أكثريتهم عرب من لبنان وسورية والعراق والاردن وفلسطين ومصر, وقليل منهم كرد. وحضر بعض ممثلي الدول, من فرنسا والفاتيكان والسعودية.

خمس عشرة كلمة في جلسة الافتتاح, أعقبتها ثلاث جلسات عمل تناولت ((ظاهرة العنف والارعاب في المنطقة ومصادره وتوظيفاته واستهدافاته)) و((أطروحة تحالف الأقليات الدينية بوجه الأكثرية العربية السنية ومطلب توفير الحماية الخارجية للمسيحيين)) و((الدولة الوطنية في المنطقة وتجديد العروبة والعمل العربي المشترك)) شارك فيها نخبة من المفكرين وخبراء السياسة والقانون والدين. أمثال الوزير اللبناني السابق طارق متري, وأستاذ الدراسات الاسلامية د. رضوان السيد, ود. خطار ابو دياب، والمعارضين السوريين ميشيل كيلو وجورج صبرا. والنائب الأردني جمال قموه, ود. حسن منيمنة , ود. فداء حوراني من سورية , والأكاديمية السورية سميرة مبيض , والباحث الفلسطيني جورج قنواتي , والباحث اللبناني سام منسي , والباحثة الاعلامية الاردنية مارسيل جونيات , والكاتب الصحافي السوري محمد خليفة ممثلا لملتقى العروبيين السوريين.

وأجمع المشاركون على ان الرابطة الحضارية التاريخية الوحيدة التي تجمع المكونات العربية كافة هي العروبة

غير العرقية وغير الايديولوجية وغير الدينية. وأكدوا رفضهم المطلق للدولة الدينية أو القومية, والهويات الدينية, وتمسكهم بالدولة المدنية التي تتسع لكل المكونات على قدم المساواة من دون معايير الأقلية والأكثرية. وأكدوا رفضهم لتسييس الدين, أو تديين السياسة, وطالبوا بفصل الدين عن السياسة, ورفض الأحزاب الدينية اطلاقاً.

وأصدر المشاركون مانفيستاً, أو إعلاناً وصفه د . فارس سعيد بالتاريخي, وقال إنه لم يسبق أن صدر بيان آخر من هذا النوع من قبل على الإطلاق, تضمن المبادىء العليا التي تمثل عناصر ((عقد وطني عصري)) بين المكونات العربية كافة, وأهمها وحدة كل الجماعات أو المكونات التي تتألف منها مجتمعاتنا العربية على أساس ( الوحدة الوطنية) , وعلاقات المواطنة , والسعي لتحديث وتجديد (العروبة) وإغنائها بمفهوم الديموقراطية والتعددية ومفاهيم حقوق الانسان, بعيداً عن الايديولوجيا والفئوية. والمطالبة بالدولة المدنية بديلاً عن أي صيغة أخرى. وشدد المانفيست في بنده الأول على رفض وادانة أطروحات الحماية الخارجية والوصاية, وأحلاف الاقليات ضد الأكثرية, ورفض التبعية للخارج بكل صورها.

ولذلك فإن وصف المؤتمر ظاهرة من ظواهر الثورات العربية تسمية دقيقة وواقعية. ويجدر الذكر أخيراً أن المؤتمر لن يكون مؤتمر المرة الواحدة فقط, بل سيجري وضع آليات استمراره كعملية مستمرة تنعقد دورياً وتعمل على تحقيق غاياته العليا!