2019-10-03 13:29:15

في ذكرى رحيله كما ترويها السيدة تحية (الحلقة الثانية): قصة الساعات الأخيرة في حياة عبدالناصر

في ذكرى رحيله كما ترويها السيدة تحية (الحلقة الثانية): قصة الساعات الأخيرة في حياة عبدالناصر

في ذكرى رحيله كما ترويها السيدة تحية (الحلقة الثانية): قصة الساعات الأخيرة في حياة عبدالناصر

في ذكرى رحيله كما ترويها السيدة تحية (الحلقة الثانية):

قصة الساعات الأخيرة في حياة عبدالناصر

مجلة الشراع 4 تشرين أول 2019 العدد 1919

 

في ما يلي نص الحلقة الثانية من أحد فصول كتاب ((ذكريات معه)) للسيدة تحية عبدالناصر تنشره ((الشراع)) في ذكرى رحيل جمال عبدالناصر الـ 49

 

*قال لي وهو ينظر الى الأطفال والشباب: انا أعمل من أجل هؤلاء لدى وقوع أحداث الاردن لم أره يستريح وكان مشغولاً لحل الأزمة.

*عندما ساءت حالته حضر عدد من الأطباء ومسؤولين ولما كنت أدخل عليه كنت أحرص على ان لا يراني أبكي

*عاد الى التدخين بسبب الضغوط وأول من اكتشف ذلك ابننا عبدالحميد

أنور السادات

كنت أجلس مع الرئيس في حجرته وتحدث معي عن أنور السادات نائب الرئيس وقال: إنه أطيب واحد ويحبنا.. ولا ينسى أبداً.. ودائماً يقول لي أنا لا أنسى فضلك.. لم أكن في الثورة وأنت بعت لي وجبتني، وقال لي الرئيس: إنت عارفة إنه ما كانش في الثورة وأنا بعت جبته؟ فقلت: نعم أعرف ذلك. ولم يكن أنور السادات في القاهرة وقت قيام الثورة وأرسل الرئيس في طلبه من رفح.

آخر خطاب في عيد الثورة

 كان يوم 23 تموز/ يوليو 1970 في المساء وجلست كالعادة أمام التليفزيون مع أولادي نستمع لخطاب الرئيس، الذي أعلن فيه الانتهاء من بناء السد العالي وهنأ الشعب ببناء السد.. وكان آخر خطاب له في عيد الثورة.

عبدالحميد

 طلبني عبدالحميد بالتليفون، وقال: لقد قالوا لي أن أخرج وأحضر للبيت اجازة من الكلية البحرية.. يا ماما أنا لا أريد أن أخرج بمفردي في غير وقت الخروج، إني أشعر بإحراج (من زملائه) ولا أريد الحضور للبيت الآن.. وسألني: هل طلبتم خروجي؟ وكان متضايقاً وهو يتحدث.

 ودخل الرئيس أثناء الحديث فقلت له: عبدالحميد يتحدث.. فأخذ السماعة وحياه بحرارة وقال له: وحشتني جداً يا ميدو.. كما تريد.. افعل ما يريحك.. فقلت: فليحضر لنراه.. فقال لي الرئيس: إنه جدع حساس وضحك، وقال: إنه وزير الحربية الذي طلب خروجه بعد الحديث في القطار، ثم دخل حجرته.

بعد وقت قصير.. وكان يتحدث بالتليفون وكنت في الصالة ورأيت عبدالحميد أمامي. استقبلته بحرارة ودخلت معه للرئيس في الحجرة فصافحه وقبله ثم قال له وهو يضحك: إنك تدخن.. وسأله عن عدد السجائر التي يدخنها، وقال له: لا تدخن كثيراً حتى لا تضر بك، وبعدين لما تكبر يقول لك الأطباء لا تدخن.. ثم استمر في الحديث بالتليفون. وكان الذي يتحدث معه هيكل.. وحكى له وهو يضحك عن عبدالحميد، وكيف أنه شم رائحة السجائر وهو يقبله، وكان الرئيس لم يدخن ولو سيجارة واحدة منذ أن كان في الاتحاد السوفياتي في شهر تموز/ يوليو 1968 وطلب منه الأطباء عدم التدخين.

جلسنا نتناول العشاء، وقال عبدالحميد: لقد رفضت الخروج، وبعد شوية قال لي الضابط النوبتشي: إنك يجب أن تخرج الآن فلدينا أمر بخروجك، فسأله الرئيس ومتى سترجع الكلية؟ قال: إنهم قالوا لي ارجع الكلية الساعة العاشرة صباح الغد، لكن يا بابا أريد أن أرجع الليلة حتى أكون مع الطلبة في الصباح.. فقال له الرئيس: اذهب يا بني كما تريد، وصافحه ودخل حجرته.. وغادر عبدالحميد البيت للكلية بعد تناوله العشاء معنا.. وكانت آخر مرة رأى فيها الرئيس ابنه الطالب في الكلية البحرية في السنة الثالثة.

انا أعمل من أجل هؤلاء

 قال لي وهو يشاهد الأهالي من نافذة القطار: إنني أشتغل من أجل هؤلاء.. فقلت: إنهم في مظهر أحسن من قبل، فرد، وقال: أريد أن ينال هؤلاء الأطفال فرصة التعليم والعلاج والمظهر كخالد ابننا.. لم يحن الوقت بعد.

وكان الرئيس يتأثر عند رؤيته لطفل يشتغل عند أسرة كخادم، وكان يقول لي: إنها مشكلة لا تحل إلا بالتدريج، ويستطرد: ليس في وسعي عمل شيء إلا العمل باستمرار على رفع مستوى الفلاح في القرية والكادحين ونشر التعليم.. وإن شاء الله تتلاشى.

أخبار الاعتداء على الفلسطينيين في الاردن ومؤتمر القمة في الهيلتون

بقينا في اسكندرية حتى يوم الاثنين 12 ايلول/ سبتمبر.. لم أره يستريح، وكل وقته كان مشغولاً بمتابعة أخبار الاعتداء على الفلسطينيين في الاردن.

وأمضى يوم الاحد والاثنين يمهد لمؤتمر قمة عربي، ويطلب الرؤساء والملوك العرب بالتليفون ويتحدث معهم، وقال لي: سنغادر الاسكندرية في المساء. وكان في الصباح – وهو يوم الاثنين – وقد علم بوفاة زوج خاله فقال: سأذهب لتعزية اولاد خالي ونحن في طريقنا للقاهرة، اذ يقيمون في اسكندرية. مكثنا عندهم نصف ساعة.. وفي الساعة السابعة مساء غادرنا اسكندرية للقاهرة.

أثناء الطريق تحدث بالتليفون وهو في العربة وعلم ان الرئيس الليبي معمر القذافي يصل في الليل فقال لي بعد وصولنا: سأخرج لأجتمع مع الرؤساء الذين وصلوا فقلت: الأحسن ان تستريح الليلة.. فرد لقد عملت ترتيب مقابلتهم.

ورجعنا البيت بمنشية البكري وكانت الساعة حوالى العاشرة مساء. استبدل الرئيس ملابسه وخرج.. وكنت قد رقدت في السرير استريح، وانا أعرف ما بذله من مجهود طوال اليوم وأراه يخرج.. رجع في الساعة الثالثة صباحاً.

اليوم التالي الثلاثاء خرج في الصباح ورجع قبل تناول الغداء، وفي المساء خرج ورجع بعد تناول العشاء مع الضيوف في قصر القبة.

يوم الأربعاء خرج في الصباح وتناول الغداء مع الضيوف وظل خارج البيت، وفي المساء خرجت لزيارة احدى قريباتي وتسكن في الدقي.. دعوتها ان تحضر معي للبيت لتشاهد فيلماً في السينما. عندما رجعت الى البيت وجدت الرئيس في حجرته. دخلت له فوجدته يستعد للخروج.. تبادلنا التحية وقلت له: لقد كنت عند قريبتي وأحضرتها معي لنشاهد فيلماً فقال: أحسن فلتتسلي معها، ثم أضاف: سأذهب وأبقى في الهيلتون مع الضيوف حتى ينتهي المؤتمر.. وحياني وخرج حتى المدخل بجوار السلم.. وخرجت معه ووقف حوالى دقيقتين يقرأ في نوبة صغيرة ثم حياني ونزل السلالم.. وبقيت واقفة فنظر لي مرة ثانية وهو ينزل السلالم وحياني بيده.. وكان ذلك من عادته قبل خروجه اذا كنت واقفة أثناء نزوله السلم.

خرج وقريبتي جالسة في الصالون في الدور الثاني، وكان يدخل الصالة ويصافح الضيوف الموجودين ويكونون عادة من الأقارب، لكنه لم يدخل في هذه المرة.

اللحظات الأخيرة
لبث الرئيس في الهيلتون.. وكنت أتتبع الأخبار في الجرائد والإذاعة والتليفزيون. وفي يوم الأحد، وكنت جالسة أمام التليفزيون وكانت نشرة الأخبار الساعة التاسعة مساء تقرأها المذيعة سميرة الكيلاني، وقالت: لقد تم الوفاق واختتم المؤتمر أعماله، وغادر الضيوف من الملوك والرؤساء القاهرة، وكان في توديعهم الرئيس وسيغادر الباقي غداً.. فهللت من الفرحة وصفقت بيدي، وكانت ابنتي منى حضرت في هذه اللحظة، وبعد انتهاء نشرة الأخبار قالت لي: نشاهد يا ماما فيلماً في السينما؟ ونزلنا للدور الأول.

وفي الساعة العاشرة والنصف جاء لي السفرجي يقول: لقد حضر سيادة الرئيس.. فقلت لمنى: فلتكملي أنت الفيلم وسأصعد، وتركتها. دخلت الحجرة وجدت الرئيس راقداً على السرير.. صافحته بحرارة وقلت له: الحمد لله لقد سمعت نشرة الأخبار وفرحت جداً وهللت.. فقال: الحمد لله.. وكان قد طلب العشاء وسألني: هل تناولت عشاءك؟ فقلت: نعم.. وجلست معه ولم يأكل إلا لبن زبادي ورجع إلى السرير.

لم تستكمل منى مشاهدة الفيلم وطلعت ودخلت حجرة والدها وصافحته وجلست معه على طرف السرير، وحضر خالد أيضاً وصافحه وجلسا في الحجرة قليلاً يتحدثان مع والدهما.

ظل الرئيس يتحدث في التليفون حتى الساعة الثانية عشرة ثم قال: سأنام مبكراً، وغداً سأذهب في الصباح لتوديع الملك فيصل وأمير الكويت.. وأطفأ النور ونام. في الصباح استيقظ الرئيس قبل الثامنة، وحضر الطبيب الخاص وكنت قد قمت وخرجت من الحجرة ودخلت حجرتي، استعداداً للدخول الى الرئيس في حجرته لأتناول معه الإفطار فدخل لي في الحجرة لتحيتي قبل خروجه وقال: سأذهب للمطار.. ووجدت الإفطار قد جهز في حجرته ولم يتناول شيئاً، وعلمت أنه تناول فاكهة فقط.

 رجع الرئيس في الساعة الثانية عشرة وحضر الطبيب الخاص ودخل له، وكنت سأدخل للرئيس ووجدت الدكتور يجري له فحص رسم قلب فرجعت ولم أدخل له في الحجرة، ثم بعد ذلك خرج الرئيس مرة ثانية لتوديع أمير الكويت.

رجع الرئيس من المطار في الساعة الثالثة بعد الظهر، وعند خروجي من حجرتي وجدت ابنتي هدى تستعد لتذهب إلى بيتها بعد أن انتهت من الشغل، وكانت تجلس في مكتب والدها في الدور الثاني تعمل سكرتيرة له منذ عام.

وكان الرئيس بعد مضى بضعة شهور من شغلها معه قال لي: إن هدى الآن تدربت على العمل معي وتعلمت وتريحني.. وكان سعيداً بها.

قالت لي هدى بصوت خافت.. وكنت قد مشيت حتى باب حجرة النوم: إن بابا تعبان وسينام.. فرآني وقال: تعالي يا تحية.. فدخلت الحجرة، وأشار لي بيده وهو راقد على السرير أن أجلس.. فجلست على طرف السرير فسألني: هل تناولت الغداء يا تحية؟ قلت: نعم تناولته مع الأولاد.. فقال لي: أنا مش هاتغدى.. وأشار لي بيده أن أبقى كما أنا جالسة.. فبقيت حوالى عشر دقائق وهو راقد لم يتكلم. وحضر الدكتور الصاوي حبيب فقال له الرئيس: ادخل يا صاوي فدخل، وقمت كعادتي عند دخول الأطباء له في الحجرة وخرجت إلى المكتب، فقال الدكتور: نريد عصيراً.. فذهبت وأحضرت عصير برتقال وليمون جهزته بنفسي بسرعة وحملتهما ودخلت له في الحجرة..وقلت: هذا برتقال محفوظ وليمون طازج فقال: آخذ برتقال، وشرب الكوب وأنا واقفة وقال لي: متشكر.

 خرجت من الحجرة وجلست في حجرة المكتب، وبعد دقائق حضر طبيب اختصاصي.. منصور فايز فقلت له بالحرف: أنت جيت ليه يا دكتور دلوقتي؟ أنا لما بأشوفك بأعرف إن الرئيس تعبان وبأكون مشغولة.. فرد: أنا معتاد أن أحضر كل أسبوع في يوم الاثنين واليوم الاثنين.. ودخل للرئيس.

بقيت جالسة فى حجرة المكتب وسمعت الرئيس يتحدث، وسمعت الراديو.. نشرة الأخبار في إذاعة لندن.

قالت لي منى ابنتي: بابا بخير والحمد لله.. تعالي نخرج من هنا. وخرجت معها وجلسنا على الترابيزة في حجرة السفرة، وبعد دقائق جاء لي الطبيب الاختصاصي وقال: الرئيس الآن تحسن وإذا أردت الدخول له فلتدخلي.. وأخذ يدخن سيجارة فقلت له: لا داعي حتى لا يشعر بأني قلقة.

بعد لحظات جاء الدكتور الصاوي يجري مسرعاً قائلاً: تعال يا دكتور.. ودخل الدكتور يجري، ودخلت لحجرة المكتب ومنعتني منى من الدخول لوالدها وقالت: إن بابا بخير لا تخافي يا ماما، وأجلستني في حجرة المكتب وجلست معي. وبعد فترة حضر دكتور آخر ثم ثالث.. فدخلت عنده ووجدت الأطباء بجانبه يحاولون علاجه.. وكنت أبكي وخرجت حتى لا يراني الرئيس وأنا أبكي، ثم دخلت له مرة ثانية وازداد بكائي وخرجت وجلست في حجرة المكتب، ودخل عدد من السكرتارية، ثم حضر حسين الشافعي ومحمد حسنين هيكل.. وكل واحد يدخل الحجرة ولا يخرج منها.. وكنت أبكي.

أصرت منى على أن أخرج إلى الصالة فكنت أمشي وأقول: جمال جمال.. ووجدت الكل يخرج وينزل السلالم فدخلت مسرعة.. رأيت حسين الشافعي يخرج من الحجرة يبكي ويقول: مش معقول يا ريس. وحضر خالد وعبدالحكيم فى هذه اللحظة ولم يكونا في البيت ولا يدريان شيئاً، ودخلا مسرعين، وحضرت هدى وكانت لا تعلم بما جرى بعد ذهابها لبيتها.

دخلت للرئيس ووقفت بجواره أقبله وأبكيه، ثم خرجت من الحجرة لاستبدل ملابسي وألبس ملابس الحداد. ونزلت مسرعة إلى الدور الأول ووجدت الكل.. الأطباء والسكرتارية وهيكل وحسين الشافعي وأنور السادات حضر.. والكل واقف في الصالون.

 قلت لقد عشت ثمانية عشر عاماً لم تهزني رئاسة الجمهورية ولا كوني زوجاً لرئيس الجمهورية وسوف لا أطلب منكم أي شيء أبداً.. أريد أن يجهز لي مكان بجوار الرئيس لأكون بجانبه.. وكل ما أرجوه أن أرقد بجواره.

خرجت إلى الصالة وجاء لي هيكل والدكتور الصاوي وطلبا مني أن أصعد للدور الثاني، ثم أدخلني الدكتور حجرتي وأعطاني بضع حبات دواء وظل بجانبي، ثم أعطاني حقنة. وحضرت إحدى قريباتي وظلت معي، وجاء عبدالحميد من إسكندرية ودخل لي في الحجرة وهو يبكي، وقال: لقد قالوا لي إن بابا تعبان وحضرت في طائرة، ودخلت هدى ومنى.. ولم أدر كم مضى من وقت.. فقمت لأخرج من الحجرة فقال لي الدكتور: لماذا قمت؟ فقلت سأذهب وأجلس بجانبه.. فقالت هدى: لقد ذهب بابا لقصر القبة.. وذهبنا معه.. فقلت: حتى الآن أخذوه!

والآن أعيش المرحلة الثالثة من حياتي حزينة أبكيه.. وقد زاد حزني حسرة، وسأظل أبكيه حتى أرقد بجانبه في جامع جمال عبدالناصر بمنشية البكري.. وقد جهز لي المكان كما طلبت.

 إنه جمال عبدالناصر الذي عاش عظيماً.. وهو في رحاب الله عظيم.. تاريخه وحده هو شاهده.

لقراءة الحلقة الاولى ، يرجى الضغط عالى الرابط ادناه

السيدة تحية تتحدث عن ايام عبدالناصر الحزينة