مظفر النوّاب بعد غياب طويل يعود الى العراق تاريخ طويل من الشعر والنفي والنضال  
 
مظفر النوّاب
 
 
  بقلم: لامع الحر
مظفر النوّاب يعود الى العراق بعد غياب طويل كما تعود الوردة الى حديقة غادرتها على حين غرة حفاظاً على ألقها الجميل.
يعود مكللاً بالغار بعد ان سقط الطاغية، وبدأت فلول الاحتلال تنسحب شيئاً فشيئاً، وليبدأ العراق يعشب، بعد ان تـزود بالمطر.
مطر العراق هو مطر العرب، مطر يهطل في كل الانحاء، كأن القحط يمضي الى نهاياته، او كأن قطراته تبشر ان هناك حياة جديدة سوف تقتحم خيايا الخريف الطويل.
النواب في العراق حدث طالما انتظرناه، كان مستحيلاً، كان اشبه بالخرافة كان حلماً لا يتحقق، وإذ بالمتغيرات الدراماتيكية تطيح بكل العوائق الكائنة والكامنة، لتجعل منه حقيقة لا يعتريها اي شك.
اليوم سيحتفل الفرات بفيضه الجديد، بنبضه المتدفق كما السيل، بضوئه الساطع كما البرق، وبخريره المتهادي على وقع الامنيات التي انفلتت من عقالها، لتعطي الحياة معنى اجمل ونكهة أحلى.
اليوم يعود النوّاب الى عرينه، الى وطن غادره شاباً ليعود اليه كهلاً، غادره هرباً من نير الطغاة الذين سلبوا الحياة نسغها وسلبوا الوجود ضوءه، وسلبوا الجمال ألقه، لتتحول الحياة الى زنـزانة صغيرة، او الى سجن كبير.
عالم يتهاوى على وقع الامنيات الراكضة، وعلى وقع الخرافة التي تتدلى بخفر، كأنها تصدّق انها اضحت حقيقة، وعلى وقع عالم مختلف في الشكل والروح والجوهر.
عالم يتهاوى، وعالم يصعد من تحت الركام، من جثث الضحايا، من خبايا السجون، من بطون المقابر الجماعية، من حلقات التعذيب الصاخبة، من مدار السكون والخوف، من الكلمة المخبوءة في الحناجر، من الصوت الذي توارى طويلاً، ليأخذ السوط مداه الشديد، من الزنـزانات التي ازدحمت، ليعلو صوت الحرية، وصوت الكرامة، ومن الطريق التي تتسع لاحتضان شخص واحد، يحدق في الجموع، فلا يرى غير السراب المريع.
عالم يتهاوى، وعالم يؤسس حياة جديدة، تمنح الارض اخضراراً ممتداً، وتمنح الشواطىء ابعاداً مترامية، وتمنح الشعر رؤى تحاكي سطوة الجمال، وتأخذ منها كينونتها المتشظية.
عالم يحتضن الشعر بعد غياب قسري، يعطيه ماهيته المختلفة، ويسأله ان يقبّل التراب بشوق بالغ، وبعينين تأخذان من حبيباته اكسير الحياة، وصهباءه المشتهاة.
النواب في العراق، لكن اين الطاغية؟
الطغاة منهم من رحل، ومنهم من ينتظر، لم يعد في الارض مكان لهم وهل يعقل ان يجمتع النهار والليل في لحظة واحدة.
النوّاب يقبّل تراب العراق، كأن الفرع قدعاد الى الاصل، ومع هذه العودة اعطاه الله عمراً آخر، ومنحه من الدفء ما يجعل منه لوحة اغريقية، يتناسل بريقها في انحاء المعمورة، ليعطيها قسطاً من الخصوبة الموشاة مجداً وبطولة.
لم يعد المنفى صالحاً للكتابة، ولم تعد اللغة صالحة للبكاء، ولم يعد الحزن طريقاً الى القصيدة، فالشاعر عاد وانصهر في بريق الوطن، ليستعيد اياماً مضت، وتاريخاً أفل.
عودة الى الطفولة التي كانت جميلة على وقع الثراء الموروث وصولاً الى مرحلة الشباب التي التصقت بمرحلة الفقر المدقع، الذي لم يسلبه نايه وعنفوانه.
اضطر للذهاب الى الجامعة مشياً على الأقدام، لم يكن يمتلك اجرة السرفيس، المسافة كانت طويلة جداً، تحتاج قرابة نصف ساعة بالسيارة فكيف بمن كان مضطراً ان يترجل؟!
حياة مفعمة بالحركة، بالنضال، بالمفاجأة، بالمغامرات الصعبة، التي جعلت منه انساناً آخر، انساناً حذراً، وغير قادر على العيش بأمان، كأن الاحساس بالملاحقة كان يتبعه كظله اينما حل، واينما كان.
بعد المرحلة الجامعية والتخرج مجازاً في الادب العربي، عمل ككثير من الكتّاب والشعراء في مجال التعليم، الا انه لم يستمر، فعلاقته باليسار العراقي أدت الى فصله من عمله.
لكن بعد قيام النظام الجمهوري في 14 تموز/يوليو 1958، تم تعيينه مفتشاً في مديرية التفتيش الفني في وزارة التربية، وذلك لأنه كان يتعاطى فن الرسم مبكراً الى جانب الشعر. وفي هذه المسألة يتقاطع مع الشاعر العراقي الرائد بلند الحيدري الذي كان متخصصاً في الفن التشكيلي، وفي سائر مشتقاته وتفاصيله.
لكنه لم يستمر ايضاً في هذه الوظيفة، وبسبب انخراطه في العمل السياسي، هرب من العراق، فتم القبض عليه في طهران، التي سلمته بدورها الى بغداد، فأصدرت حكماً عليه بالإعدام، ثم خفف الحكم الى المؤبد، وفي ذلك قال: ((ويسألني من أنت؟/ خجلت أقول له: قاومت الاستعمار/ فشردني وطني)).
تنقل من سجن الى آخر، ثم استقرت به الحال في سجن الحلّة، الا انه تمكن من الهرب عبر حفر نفق طويل تجاوز حدود السجن الى الخارج، حيث الحرية المقيدة، فلم يستطع ان يتحرك كما يشاء، الى ان صدر قرار العفو، والذي تمكن بموجبه ان يعود للعمل في سلك التعليم بوزارة التربية في حي المنصور الراقي ببغداد.
لكن الحياة لم ترق له بعد ذلك في العراق، سافر وأقام في غير مكان، في الحبشة، في اليونان، في فرنسا حيث أعد شهادة الماجستير وأقام ردحاً من الزمان في ليـبيا وكان موضع تقدير العقيد معمر القذافي، وأخيراً استقرت به الحال في سوريا، بعد ان كان ممنوعاً في السابق من دخولها.
كان شعره ممنوعاً في معظم الأقطار العربية، شعر تحد، وتمرد ومفعم بنفس ثوري عميق، ودعوة تحريض صاخبة مزدانة بعداً جمالياً مأنوساً.
شاعر البذاءة بامتياز، وكان يبرر ذلك في غير مكان، بقوله ((ان الواقع العربي اكثر بذاءة، وما الشعر الا انعكاس طبيعي لما يعتمل في هذا الواقع وما يكتنـز من بشاعات وانكسارات)).
شاعر بذيء في زمن بذيء في واقع بذيء، لكنه تمكن من خلال هذه البذاءة التي لا ترضي كثيرين ان يجعل منها فناً يتكثف على وقع الادهاش والمفاجأة، يقول ((بلت على الحكام/ وان غضبوا/ بلت ثانية)). او ((وقرأت فاتحة على الشهداء/ بالعبرية الفصحى..)).
لكن شهرة النواب لم تكن على اساس ما كتبه بالعربية الفصحى، بل على اساس العامية العراقية، التي يصعب علينا نحن العرب فهمها، لأنها تشتمل على الكثير من الكلمات الصعبة او المقعرة.
وهذا ما دفعه بعد مغادرة العراق الى الكتابة بالفصحى، ليصل شعره الى الجمهور العربي بكامله، بيسر وسهولة، ودون اي معوقات او صعوبات لغوية.
وأول مرة سمعت بالنواب كانت اثر انتشار قصيدة ((القدس عروس عروبتكم)) عبر محبي الشعر والمتذوقين الكثر. اذ كان محظوراً آنذاك نشر نصوصه في الصحافة العربية الموالية للأنظمة بشكل او بآخر.
هذه القصيدة عرّت الواقع العربي، كشفت مكامن الخلل فيه، اشارت الى جوانب الضعف، ركزت على التخاذل والتواطؤ وصولاً الى الخيانة التي تعدت كل حدود، فالتغني بالقدس كان تغنياً كلامياً فلا فعل يعكس رفضهم للاحتلال، ولا اثر لدور يرفض تداعيات هذ الواقع المزري ((القدس عروس عروبتكم/ فلماذا وقفتم تسترقون السمع على صرخات بكارتها)).
يجمع النواب في شعره بين البذاءة والسخرية المرّة، التي تنحفر عميقاً في الوجدان، والتي تعبّر في الآن نفسه بدقة عن الواقع الكائن لكأنه في هذا الجمع يحاول ان يخفف من وطأة المعضلة، ومن ثقل المعاناة التي يعيشها المواطن العربي، فالأنظمة العربية لم تقدم التطور والعمران والمعاصرة التي يفترض ان تجعل من الانسان حضارياً وحدثوياً، بل أسست في كل ممارساتها للخراب الكبير الذي نعيشه اليوم ((واقف في الخراب/ اسميه/ عاش سيادتكم)).
اللافت في مسيرته الشعرية والحياتية انه لم يتغير على الصعيد السياسي، بل ظل على التـزامه المعروف، محافظاً على القيم التي اعتنقها، ومنتصراً للمبادىء التي تبناها منذ الصغر مروراً بمرحلة النضوج وصولاً الى الشيخوخة.
كان يرى وما يزال ان الولايات المتحدة الاميركية لن تنتصر على المدى البعيد، وانها غير قادرة على الغاء الآخر، فحضارات الشعوب ليست نتاج البارحة، بل هي ثمرة جهد طويل من العمل والنضال والكفاح من اجل الوصول الى ما هو افضل، ولهذا كان يتبنى دعوة المفكر الفرنسي روجيه جارودي الى الحوار بين الحضارات لا الى تدمير الحضارات.
ظل خطابه الشعري الملتـزم على وهجه، على الرغم من التراجع المريب الذي شهدته الساحة الشعرية، وعلى الرغم من سقوط الاتحاد السوفياتي، الرفيق الحاضن لليسار العربي وعلى الرغم من سيادة مصطلحات جديدة لم تكن موجودة قبلاً، ولم تكن متداولة، فالكلام على العمل بواقعية ساسية، كما يقول كثيرون ممن يزعمون انهم عقلانيون ما هو الا تبرير للتخاذل العربي وللعجز ازاء الهجمة الاستعمارية التي نتعرض لها والتي يرفضها الشاعر.
ولا يقبل بالواقعية السياسية لأنها تعني ضمن ما تعني الأخذ بكل المقولات الغربية التغريبية، والركض وراء الغرب واخضاع أدبنا العربي للموازين النقدية الاوروبية او الاميركية، وهذا الواقع يراد منه بالنهاية القبول بالكيان الصهيوني، وباحتلاله لفلسطين.
وبما انه يرفض رفضاً قاطعاً هذا المنطق، اصغى وما يزال يصغي للانتفاضات الجماهيرية، ولحركات المقاومة في لبنان وفي فلسطين، باعتبارها الشمعة التي تضيء المكان، او الثريا التي سيصل نورها الى كل انحاء المعمورة.
وعندما كان التنافس على أشده بين كثير من المبدعين العرب للتطبيع مع الكيان الصهيوني، كان شاعرنا واحداً من القلائل الذين رفضوا اقامة اي علاقة مع ابناء يعقوب، غير آبه بانعكاس ذلك على علاقة الآخر بشعره، او على الاضرار الناتجة عن هذا الموقف.
اهمية النواب انه أدان بشكل علني اللقاءات التي تمت بين مبدعين عرب وصهاينة، ولا سيما ذلك اللقاء الذي تم في احدى المدن الفرنسية على المتوسط وكان من نجومه الشاعر العراقي عبدالقادر الجنابي اضافة الى مبدعين عرب معروفين (ولا داعي لذكر الاسماء الآن)، المهم ان النوّاب اعتبر حدوث هذا الأمر خرقاً للجبهة الثقافية التي بقيت وحدها بعد انهيار الجبهة السياسية والعسكرية. ولذا نفترض ان يتكثف العمل على تحصينها من الانهيارات التي قد تصيبها مستقبلاً.
والذي ساعد في ذيوع صيت هذا الشاعر هو القاؤه المتميز، القاؤه المتفرد الذي لم يسبقه اليه احد، ولم يجاره فيه احد، ولم يصل الى ذلك المستوى المتقدم الذي وصل اليه احد.
القاء كان يعتمد في البداية على الحركات المسرحية، حيث معه تتحول القصيدة الى مشاهد متنوعة ممتلئة دفئاً وحيوية، وقدرة على التأثير في الآخر.
والصوت لا يمضي لديه على وتيرة واحدة، كما هي الحال مع كثيرين، بل يعلو وينخفض حسب ما تقتضيه الصورة الشعرية والتعبير الدرامي المتميز.
وفي العقدين الاخيرين بات يعتمد على الموسيقى المرافقة اعتماداً كبيراً، وهذا ما اضاف الى أجواء الامسية المزيد من الجمالية التي تجتذب السامع، وتدفعه الى الغوص في اعماق القصائد التي تتحول الى أناشيد حماسية تحريضية، تدوزن الرغبة الجماهيرية العارمة، بالتغيير والخلاص من هذا الوضع الزائف.
ولا بد من القول ان قصيدة النواب تنهل من آبار المباشرة غير الفجة، وغير السهلة، وغير السطحية، المباشرة التي لا تقول الاسماء او الاشياء كما هي، بل تعطيها البعد الفني المطلوب الذي يجعل منها صورة تخترق ما هو عادي الى ما هو استثنائي.
هذه المباشرة التي تحوي قدراً كبيراً من الجمال هي التي اسهمت في جعل شعره جماهيرياً بامتياز فهو واحد من الكبار الذين تغص قاعات امسياتهم بالحضور الكثيف طمعاً بالاستماع والاستئناس بجديده، فقد شاركه هذه الميزة الشاعران الكبيران الراحلان نزار قباني ومحمود درويش لكنه يتفوق عليهما بأنه الوحيد بين شعراء الحداثة قد انتشر شعره وشاع عبر الكاسيتات التي كانت تنتقل من عاصمة الى اخرى دون عوائق تذكر، ذلك ان الرقيب العربي يمنع الكتب، لكن ((الكاسيت)) يمر مرور الكرام في المطارات، لأنه يرتبط بالغناء والموسيقى اكثر مما يرتبط بأي شيء آخر.
وربما كان واحداً من الشعراء القلائل الذين احيوا امسيات في غير عاصمة اوروبية، وكان الدخول عبر تذاكر مدفوعة الثمن وهنا لا نقصد ان النواب كان يفرض ذلك لأنه اصبح مادياً، لا وألف لا، بل ربما لأن القاعات في اوروبا ليست مجانية كما هي الحال عندنا، والجهة الداعية لا تستطيع وحدها ان تتحمل نفقات الامسية.
ودائماً كان النوّاب يرفض اعتبار شعره سياسياً، وذلك لتحجيم فعالية هذا الشعر، وكان يرد بأن شعره هو شعر حياة، لأنه سياسي وعاشق في الآن نفسه، عاشق للمرأة وللأرض والوطن بمعناه الشمولي الواسع.
واذا كانت هناك دعوات الى الاقلاع عن الامسيات لأن الشعر برأي هؤلاء يُقرأ ولا يُلقى او يُنشد فإن النوّاب كان يرى بأن في الامسيات حساً جماعياً يدفع الانسان كفرد ان يفكر في نفسه وفي طعامه وأطفاله، دون ان يزج نفسه في القضايا العامة وكأني به يقول بأن هناك اتجاهاً رسمياً للقضاء على كل حس جماعي، ذلك لأن الحضارة هي ان تشعر بحاجة الآخرين وآلامهم، فإذا فقد العالم هذا الحب، وهذه الروح الجماهيرة فهذا يعني انه يسعى الى دماره وهلاكة)).
النوّاب يعود الى العراق مظفراً حاملاً ارثه الجميل ونتاجاً زاهراً بالحب والابداع، وتاريخاً طويلاً من النضال، لا لشيء الا ليظل النخيل العراقي شامخاً في السماء، محلقاً الى الاعلى، وقادراً على ابتكار الجمال الذي يليق بذلك النسيج الحضاري المميز.
شاعر عاد فلم يجد معالم الحي الذي ولد ونشأ وترعرع في كنفه ببغداد، تغيّرت كل الاشياء من حوله، وكأنه قد عاد الى زمن آخر، لا يستعيد معه شيئاً من الذكريات..
الشباب عشاق الشعر بأتون اليه من كل حدب وصوب، حاملين حبهم الكبير، وتقديرهم العالي لشاعر الرفض والغضب الذي حول الشتيمة الى لغة فنية مميزة.
النوّاب في العراق يقرأ الفاتحة على ارواح الشهداء يستقبل المهنئين بالعودة، ويستعد لكتابة قصيدة جديدة من وحي الانصهار في بلاد الرافدين، والاستئناس بمياه الفرات لعله يستعيد شيئاً من فضاء الخصوبة.
النوّاب في العراق، شاعر عامي شهير، وشاعر فصحى اشهر، لعل العراقيين يستعيدون بهذه العودة شيئاًَ من بريق السياب والبياتي ونازك ومحمود البريكان وبلند الحيدري وغيرهم.
النوّاب المصاب بمرض عصبي، لا بد انه سيُشفى بعد ان يشرب من مياه دجلة، وبعد ان يعانق دفء النخيل، وبعد ان ينصهر بتماوجات العشب العراقي الذي تحول اخضراره احمراراً، فتخضبت الارض بذلك الرحيق المعتّق.
النوّاب في العراق شاعر يكبر مع الايام، ليصبح واحداً من الذرى العراقية التي لا تعرف السقوط ولا العجز ولا الهرم، بل تظل على وهجها معانقة التجليات التي تأتي بها هذه الارض البكر، ارض الشهداء وأرض البطولة، والمعجزات.